على فكرة
المطالب المشروعة التى يرفعها عشرات الآلاف من المتظاهرين العاملين فى مبنى «ماسبيرو» وغيرهم فى القنوات الإقليمية، لتسوية أوضاعهم المالية المتوقفة منذ خمس سنوات، من العلاوات الدورية والخاصة، ومكافآت نهاية الخدمة، تتطلب تدخلا عاجلا من مؤسسة الرئاسة. فلم يعد يجدى التحايل والتجاهل للمشكلة. وهى لن تحل بالتشديد على العاملين، بتطبيق بصمة الحضور والانصراف، دون ضرورة وظيفية، ودون مراعاة لظروف الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد، وبرغم النقص الفادح فى إمكانيات المبنى وتهالك مرافقه!
كل ذلك يطيل أمد الأزمة ولا يحلها. والظن بأن التحايل يؤدى إلى إرهاق المتظاهرين السلميين وانصرافهم يأسا، فى غير موضعه، فتكاليف الحياة ترتفع يوما بعد آخر، ولم يعد أمام هؤلاء سوى أن تسد تلك المستحقات جزءا من أعبائها.
ولم يعد يجدى فى تلك الأزمة الكاشفة، التحسر على أوضاع المتظاهرين المهنية المتواضعة، كما قال البعض، فليس ذنبهم أن رؤساءهم لم يخضعوهم لدورات تدريبية ترفع من كفاءتهم، وتخضع توظيفهم لقاعدة فى أصول الإدارة العلمية، تقضى بوضع الرجل المناسب فى المكان المناسب. وكما نعلم جميعا، فقد غابت تلك القاعدة عن مبنى «ماسبيرو» منذ عقود، وباتت تتجلى فى المستوى المتواضع لبعض مقدمى البرامج من الجنسين. كما غابت عن معظم وسائل الإعلام المرئى والسمعى والمقروء، وحتى فى غيرها من مؤسسات الدولة التنفيذية، لتحل محلها كلمة فضفاضة ومدمرة، تسمى أهل الثقة، سبق لها أن لعبت دورا رئيسيا فى إفشال تجارب هامة فى التاريخ المصرى المعاصر، كما اعترف خبراء روس، بأن الاعتماد عليها كان سببا رئيسيا فى سقوط الاتحاد السوفيتى ومنظومة الدول الاشتراكية، حين تم الاستغناء عن الخيرة والكفاءة والاكتفاء بمن يسمون أهل الثقة والولاء، فانتشر الفساد العميم، وتبددت موارد ليس لقلتها، بل لسوء توزيعها وإدارتها!
مبنى ماسبيرو مؤسسة استراتيجية من مؤسسات الدولة، لا يجب أن يترك أمر إدراتها لهواة وعابثين، ومحدودى الكفاءة والخبرة، بمبررات واهية، تكرس للشخصنة والاصطفاء والإقصاء، وللمعايير غير الموضوعية فى تقلد المنصب العام، فضلا عن أنها تفقد المواطنين الثقة فى حائزى ذلك المنصب، لأن العدالة والإنصاف والشفافية ليست قرينة به.
ولعل التوصل لحل منصف وعادل لنيل العاملين فى ماسبيرو حقوقهم، أن يكون مدخلا كذلك لإعادة بناء «إعلام الدولة» على أسس مهنية وعلمية احترافية وجذابة وتتسم بالموضوعية والتنوع والصدق فى آن واحد. وتعلى من قيمة الكفاءة والثقافة. ففى معظم دول العالم، تمتلك الدولة محطة إذاعية أو فضائية تليفزيونية أو الاثنتين معا للترويج لأهدافها بأساليب مهنية مبتكرة، دون إعلانات تشوش على الرسالة التى تبتغيها، ودون أساليب دعائية تخصم من القضايا الجادة المستهدف إيصالها.
ومصر تمر بظروف استثنائية على أكثر من صعيد، وتتربص بها من الخارج والداخل أخطار أمنية لا ينكرها سوى غافل أو تافه، تتطلب رؤية إعلامية مغايرة لتلك السائدة. وبدلا من التباكى على ما تبثه المنصات الدولية، أصبح من ضرورات المسئولية الاجتماعية، إنشاء محطة تليفزيونية تجمع بن الأرضى والفضائى، تخلو نهائيا من الإعلانات، وتتبع المعايير المهنية المشار إليها، وتزود بخبرات إعلامية تتسم بالكفاءة والثقافة والحضور، وهى عناصر يعج بها مبنى ماسبيرو، لبث برامج وأفلام ومسلسلات، تخبر وتعلم وتثقف وتسلى، وتعلى من قيم الجماعة على القيم الفردية، التى يحترفها الإعلام الاستهلاكى، وتحفز على الاهتمام بالوطن، وتتوجه لمشكلات وأحلام من تستهدفهم برامجها وأعمالها الفنية، وهم 90% من الشعب المصرى، الذى تحطم معنوياته يوميا إعلانات لا عقل لها، عن المنتجعات والكمبوندات وأوجه الانفاق الفاخر السفيه.
فلتأخذ مؤسسة الرئاسة المبادرة لإنقاذ ماسبيرو من أيدى من يجهلون قيمته، ويفشلون فى إدارته، ويعبثون برمزيته ومعناه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض