سريعاً تمضي الأعوام، ما عادت زمناً بل أرقام، ما نكاد نعتادها، حتى تغيّر عدّاده فيبدو العام شهراً، والشهر أسبوعاً، والأسبوع يوماً ونبقى في ذهول من أمرنا، كيف نصدّق ظلم الأرقام، عندما تصبح تلك السنوات جردة أعمارنا... لا شيء جديدا، سوى أن أعمارنا تزيد وأجلنا يقترب ومازلنا في حق ربنا مقصرين، فيا رب نسألك توبة لا يعقبها ذنب.. السنوات والشهور مجرد أرقام في عداد أعمارنا... ويبقى الإنسان هو الفاعل وهو المفعول.. الكل يتساءل الدنيا رايحة فين... والبركة كمان راحت.. وليه الدنيا اتغيرت.. والحسرة على الماضي الجميل والناس الحلوة راحت فين.. واللمة الحلوة.. فلا الصديق وقت الضيق ولا الجار للجار.. القسوة والوقاحة عنوان كل مرحلة فإلى أين نذهب يا الله!!؟
.. بالتأكيد ليس العيب في الدنيا بل العيب فينا... فنحن من نتغير والسنوات تمر لا ذنب لها... ولا علاقة للأيام بالنضج أيضا.. نحن نكبر بمرور الناس بالمواقف بالأزمات والأوقات الصعبة.. لا تقارن ولا تقتبس حياتك من حياة غيرك احتف باختلافك وعش حياتك كما هي بتفاصيلها بجمالها بتفرُدها.. الآخرون ليسوا مقياساً لما يجب أن تكون عليه.. حافظ على لونك الخاص فِي عالم يحاول أن يصنع من البشر لوناً واحداً مملا.. وحتى لا تتغير علينا الدنيا.. لا تتسرع في علاقاتك. بعض العلاقات تكون على هيئة فخ تسعدك شهرا وتهدمك عمر.. نحن لا نعرف قيمة بعضنا إلا في النهايات.. أن تقدم وردة في وقتها خيرٌ من أن تقدم كل ما تملك بعد فوات الأوان.. أن تقول كلمة جميلة في الوقت المناسب خير من أن تكتب قصيدة بعد أن تختفي المشاعر.. أن تنتظر دقيقة في الوقت المناسب خير من أن تنتظر سنة بعد فوات الأوان.. أن تقف موقفا انسانيا عند الحاجة إليك خير من أن تقدم مواساة بعد فوات الاوان... فلا جدوى من أشياء تأتي متأخرة عن وقتها كقبلة اعتذار على جبين ميّت.. لا تؤجل الأشياء الجميلة.. فقد لا تتكرر مرة أخرى.
أشياء كثيرة خسرناها دون أن نشعر.. تلاشت من حياتنا كأنها يوماً لم تكن.. لم نعد نعرف قيمة وجود العائلة حتى نفقدها.. لم نعد نعرف قيمة للنقود حتى نحتاج إليها.. لم نعد نعرف قيمة من نحب حتى نخسره.. لم نعد نبتسم إلا في الصور..
لم نعد نتكلم ونتفاعل معاً سوى من وراء شاشة.. لم نعد نرى أطفالا يلعبون بالكرة أو ألعابهم البسيطة في أزقة الحارة.. ما عدنا ننتظر مناسبة لنحتفل معاً، انحصرت احتفالاتنا عبر مواقع التواصل وإنزال الصور.. أشياء كثيرة خسرناها قد تكون بسيطة جداً لكنها كانت تعنينا.. ماذا فعل بنا العصر التكنولوجي؟؟ طوّرنا.. تقدمنا.. نلنا أعلى مراتب ولكنه بالمقابل سلب منا أعظم ما نملكه، سلب حياتنا بأكملها أشياء كثيرة خسرناها دون أن نشعر، تلاشت من حياتنا كأنها يوماً لم تكن.. حتى تغيرت في حياتنا كثير من المفاهيم الخاطئة والمشاعر، حيث أدركناً أن الوضوح الشديد شيء سيئ وأن الغموض مطلوب وأن بعض الوجوه من حولنا ترتدي أكثر من قناع... وإن مواقف بسيطة جعلتنا نعيد ترتيب الأشخاص مـن جديد في حياتنا.
الواقع لا يتطلب كل هذا الإدراك، إنه يتطلب التغاضي وابتداع تفاصيل جميلة، يتطلب عينا محبة ونفسا مسالمة ونية طيبة، الواقع لا يحتاج إلى المزيد من الشد والحد ومتاهات الذكريات والتنقيب أو التأنيب عن الماضي الجميل.
المستحيل هو ما لم يكتبه الله لك.. وليس ما عجزت عن فعله انت.. وكل السعادة في الدنيا بدايتها الرضا، يا رب عودنا على أن نرضى بأقدارك، بفضلك، بخيرك العظيم الذي لا تراه أعيننا.. وفي النهاية نتساوى عند الولادة ونختلف عند الوفاة فالعبرة ليست بالبدايات ولكن بالخواتيم ربي نسألك حسن الخاتمة.
--
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية
وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض