ضوء فى آخر النفق
فى عقود سابقة كنا نتعقب بدأب شديد مراسلين اجانب مثل «ديفيد هيرست»، وكان أهمهم أو أشطرهم، وبشغف أشد كنا نقرأ - أو نسمع - كل كلمة نقد.. وكل إفشاء لسر يذيعونه، فقد كانت إذاعته تحدث «فضيحة» للسلطة، بسبب التعتيم على كل شيء. كلمة نقد واحدة منهم كانت تهز الدولة. كان «هيرست»- ونظراؤه- يفقدون الأنظمة الديكتاتورية صوابها.
حدث هذا على نحو كبير أيام السادات وحدث على نحو آخر أيام مبارك، الذى لم ينقذه من سخرية هيرست سوى أنه «شاخ» عندما كان نظامه «يشيخ» هو الآخر، فضلًا عن أنه جنح فى ايامه الأخيرة إلى ان يترك للناس حرية التعبير (وهذه كلمة مهذبة) فى الصحف، فتسابقوا فى ماراثون الحرية حتى قطعوا انفاسهم من اللهث وراء الخبطات الصحفية، أملًا فى إقصاء نواب جدد (الكيف والقروض وتأشيرات الحج ونواب سميحة الخ، والزج بوزراء فاسدين خلف القضبان.. وشن الانتقادات ضد القوانين سيئة السمعة، بينما كان ذلك «الماكر» ينطلق من فكرة «خليهم يتسلوا»! وإن لم يمنع هذا نظامه من الاعتداء على كاتب كجمال بدوى (رئيس تحرير الوفد السابق رحمه الله) مثلًا، وإهانة آخر كعبدالحليم قنديل ورميه بقسوة عاريا فى الصحراء، واخفاء جثة زميلنا رضا هلال.
بعد ثورة ٢٥ يناير جرت مياه كثيرة تحت الجسور، ولم تعد هناك حاجة مع الانترنت إلى متابعة مواقف المراسلين والدول الحاصلة على توكيل دولى حصرى برعاية الحريات فى العالم، وتجلى للناس انه ليس كل ما يلمع من ضغوط أوروبا وأمريكا علينا بشأن الحريات والدستور والقانون ذهبا.. بل أدركوا أبعاد الضغوط الأجنبية.. وما الذى كان يريده ثلاثى أمريكا الشرير «أوباما» و«هيلاري» و«كوندي» الذين تآمروا معًا لإسقاط الشرق الاوسط «الصغير» فى أيدى الاخوان، و«الكبير» فى ايدى امريكا واسرائيل.. وإقامة منطقة حرة لتيارات التأسلم السياسى لبعث فكرة الخلافة الاسلامية.
اليوم لم يعد المصريون - رغم اى انتقادات توجه إلى قضايا الحريات والدستور وحقوق الانسان- يهتزون للانتقادات، سواء صدرت عن هولندا أو ألمانيا.. لذلك كان طبيعيًا أن يمر تقريرا وزارتى الخارجية الهولندية والألمانية الاخيران، بشأن الحقوق والحريات فى مصر من دون تأثير، على الجماهير وهذا متغير خطير!
الذين اهتموا فى هولندا كانوا اركان الكنيسة المصرية هناك. الأنبا أرسانى أسقف الكنيسة وصف التقرير بأنه «كاذب وغير دقيق ويحمل نهجا غير متوازن» وطالب وزارتى الخارجية والعدل هناك بالابتعاد عن «اكاذيب ذكرت فى التقرير منها التعذيب والاختفاء القسرى وحبس المعارضين وتقييد حرية الصحافة»، موضحا أن التقرير هدفه «تسييس قضايا اللجوء لخدمة أغراض سياسية أو انتخابية».
هنا فى مصر تصدى «الوفد»، حزبا وصحيفة، لاتهامات مماثلة للدولة الألمانية، وهذه المرة واجهتها الخارجية المصرية ببيان حازم ينتقد التدخل فى شئون القضاء المصرى.
صحيح أن اسقف الكنيسة المصرية الأنبا أرسانى لم يخترع ردًا على الهولنديين، وإنما قال كلاما يقوله المسيحيون كلهم.. والوزير شكرى، وحزب الوفد وصحيفته، لم يتركا الاتهامات تمر دون رد، لكن فى الحقيقة ليس هذا ما توقفت عنده، وإنما استوقفنى سؤال: لماذا لم يعد المصريون يشغلون بالهم بهذه الاتهامات القادمة من الخارج ولماذا لم يعد النظام يهتز لهذه الانتقادات؟!