رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

الزمان: اليوم التالى لاغتيال الرئيس السادات - رحمه الله - الساعة الثالة فجرًا، والمكان: ميدان المجاهدين غرب مدينة اسيوط القديمة، وقد تم فرض حظر التجوال بالأمس.

إذا بخشخشة أقدام تمشى بخطى وئيدة لرجل عجوز قد انحنى ظهره يتوكأ على عصا، فلما اقترب وجدته عم زكى الحلاق ذلك الرجل القوام الزاهد الذى لم يكن حظه من التعليم سوى حفظ فاتحة الكتاب وبعض قصار السور، وصاحب دكان الحلاقة المتواضع الذى يقصده أصحاب الحرف الصغيرة وأرباب المعاشات والمشهود له بالمواظبة على صلاة الفجر حاضرًا بمسجد "أبو شقة" - أكثر ما يزيد على ستين عامًا - أعرق وأقدم مساجد اسيوط ، فسألته : «أنت رايح فين يا عم زكى ؟! انت مش عارف ان فيه حظر تجوال «فرد عم زكي: «انا رايح اصلى الفجر» ولعله لم يكترث بأمر الحظر ولا التجوال، ولم تجد محاولاتى لإثنائه عن الذهاب للمسجد نفعًا فهابنى حرصه على الصلاة فقلت له : « طب هوه فيه جوامع مفتوحة دلوقتى ومين اللى هيصلى معاك»، فقال: «ايوه والمفتاح معايا» وأخرج من جيب جلبابه مفتاحًا حديديًا يبلغ طوله قرابة ربع المتر، وقال لى: «اللى هيصلى معايا الشيخ عبدالمعطى ضاحى امام المسجد» وكلاهما جاوز السبعين من العمر آنذاك، فاصطحبته إلى منزل الإمام وكلى شفقة على شيخوخته.

نزل الشيخ العجوز وقال لى عم زكى: «تعال يا ولدى صل معانا الفجر جماعة» فصلينا ثلاثتنا، ولم أشعر بروحانية فى حياتى قط مثل صلاتى الفجر فى هذا اليوم مع رجلين أحدهما فطرته السليمة أنقى من اللبن الحليب والآخر شيخ ورع يرتل من كتاب الله بقراءة عذبة تسكن القلوب، بعدها تتبعت حياة عم زكى وواظبت على مصاحبته والسؤال عنه قدر إمكانى، ورأيته يوم وفاة الشيخ عبدالمعطى وهو يبكى حتى قيل إنها المرة الأولى التى شاهدوا فيها الرجل يبكى وبعد أيام قلائل رحل عم زكى عن عمر يناهز التسعين وكنت من أوائل المشيعين له وكانت جنازته مهيبة ومن المبشرات أنها كانت فى مسجد "أبو شقة" الشاهد على تقواه وزهده.

تأملت سيرة عم زكى فلم تزكها إمارة ولم ترفعها كثرة مال، بل سمو مكانته كان بتقواه ومواظبته على ارتياد المسجد وصلاة الفجر طيلة عمره، وأكبر همه وثقافته الأولى: الحلال والحرام، فلم يلهه جمع مال ولا تجارة، ولك أنه تحلى بلباس التقوى وعاش بالفطرة السليمة الكنز الخفى الذى لا يناله إلا أصحاب الحظوة عند الله. رحم الله عم زكى وربح أصحاب الفطرة والبسطاء.