رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

فى تلك البلدة الجميلة الكائنة داخل إمبراطورية «أشانتى» منذ أكثر من ألف وستمائة عام قبل الميلاد، كانت البلدة تحفها بحار وانهار، وتتخللها مساحات خضراء وحدائق غنّاء وسهول ووديان، ورحم الأرض يجود دوما بالثروات والخيرات، كل هذا الخير كان يمكن أن يكفى أهل البلدة الطيبين ويفيض، ليجعلها من اعظم بلدان الإمبراطوريات، ولكن الحروب أنهكتها، تارة بسبب أطماع الإمبراطوريات الأخرى فيها، وتارة بسبب تطوع حكامها للدفاع عن بلدان وقبائل أخرى غريبة طلبا للزعامة والشهرة، الأمر الذى هدد ثرواتها وخيراتها، إلى جانب تقلب حكام فشلة أو طماعين، نهبو وسلبوا هم وعائلاتهم وبطانتهم وأعوانهم معظم الخيرات، وعندما اختار لها الإمبراطور الأكبر هذا الحاكم الطيب، كانت نيران الشيطان تشعل الغيرة فى قلب أحد المستشارين، والذى نجح فى جمع أعوان حوله، للكيد للحاكم، وتأجيج نيران غضب أهل البلدة ضده، أملا فى إزاحته والتربع على كرسى الحكم، كان يشعر انه أولى بالحكم.

وفيما وثق الحاكم بمستشاريه وفى هذا المستشار الشيطان بالذات، لأن الأخير كان يتقنع وراء وجه بشوش ذى ابتسامة ثعلبية واسعة، ورأس خادع يخفضه فى أدب مصطنع أمام حضرة للحاكم، فسلمه اهم مفاتيح الأمر والنهى، ونجح المستشار الشيطان فى إقناع الحاكم أن يركز على الوجاهة فى تصرفاته، كحضور حفلات ملوك الإمبراطوريات الأخرى، وتوقيع المعاهدات والبرتوكولات التى كان معظمها مجرد شكل فارغ الجوهر، لإكساب نفسه والبلدة قشرة لامعة من الأهمية ولكن زائفة، وكان المستشار يتفنن فى بناء هياكل وهمية لأكثر من تكية، يقوم الحاكم بافتتاحها اعتقادا أنها تكية جديدة لأهل البلدة يأكلون ويشربون وينعمون بها، فكان يدعو كبار الملوك، ويقيم لهم الولائم، وما إن ينتهى الاحتفال حتى يتم هدم هيكل التكية، ويعود الخراب ليهيمن على المشهد، ويزداد الفقراء فقرا، والجوعى جوعا، لأن تكاليف الاحتفاليات لعشرات «التكايا» الوهمية، كان المستشار وأعوانه يجمعونها كجباية من أهل البلدة بمصادرة ما تبقى من أملاكهم، تحت التهديد بالسجن وسياط القهر.

وللأسف تمكن شعور «التيه» لدى الحاكم الطيب، واصبح لديه اعتقاد أن كل هذا يزيد من مكانة البلدة، ومكانته لدى شعبه، ورويدا رويدا، ابتعد عن أهل بلدة «آشانتى»، خاصة بعد اقنعه المستشار ببناء قلعة فاخرة جدرانها وأرضها رخام وعاج ومرمر، وزين له القلعة بكل متاع الدنيا، ورفعها طوابق وطوابق، حتى ابتعد الحاكم عن الأرض وعن الجميع، وأصبحت معلوماته عن أهل البلدة تأتيه فى تقارير، يكتبها المستشار الشيطان، وبالطبع كلها تقارير وهمية عن ثراء أهل البلدة، واحتفاظهم بالأموال الفائضة فى منازلهم من خيرات البلد، وأنهم يسبحون بحمد الحاكم وشكره، ويعيشون فى خير وسلام، وكان كل هذا منافيا للواقع.

قرر احد الفقراء بعد أن هدم المستشار الشيطان الدار البسيطة التى كانت تؤويه وأسرته، لأنه لم يملك ما يدفعه من جباية لأجل احتفالية «تكية» وهمية جديدة، قرر هذا الفقير التطوع ليتسلل داخل برج الرخام العاجى، ليصل إلى الحاكم، ويسلمه تقريرا مفصلا بحقيقة ما صار إليه أهل البلدة، وتسلق فى تلك الليلة الظلماء جدران القلعة، وكان تسلقها اصعب ما يكون، لأنها ملساء، ولأن الحراس الشداد الغلاظ منتشرون على جوانبها، ولكنه نجح فى تسلقها مدفوعا بدعوات أهل البلدة الطيبين، وللأسف فى آخر لحظة اكتشف أمره، واقتاده الحراس إلى المستشار الشيطان، الذى احرق التقرير، وزعم للحاكم انه احبط خطته لاغتياله، وان قبض على المجرم.

قام المستشار بقطع لسان الشاب قبل أن يوعز لقاضى البلدة بالحكم عليه بالإعدام، وبالفعل اعدم الشاب الفقير فى مشهد مهيب، ولم يتمكن من الدفاع عن نفسه، فقد قطع لسانه، كان أهل البلدة يبكون الشاب بحرقة، ولا يجرؤ احدهم على الهتاف بالحقيقة خشية أن يتم قطع ألسنتهم أو يعدموا، وهكذا نجح المستشار الشيطان فى لجم الأفواه بالرعب، وكل من تسول له نفسه حتى بالشكوى لصديق وقريب أو رفيق يتم قطع لسانه فى وحشية، فقد زرع المستشار جواسيس ورقباء فى كل مكان، ساد الخرس أهل البلدة، وعندما نزل الحاكم من برجه الرخامى العاجى ذات يوم ليتجول فى البلدة، قام المستشار الشيطان بجمعهم بالأمر ليهتفوا شكرا للحاكم، لكن لم يهتف احد، كانت ألسنتهم قد اعتادت الصمت وجفت فى الحلوق كقطع من الحطب.

.. وللحديث بقية.

[email protected]