ضوء فى آخر النفق
- ضاحكة ساخرة سألتنى محدثتى: أتعرف ما هو جمع «حليب»؟ أتعرف جمع «نعناع»؟! نظرت إليها مستغربًا.. فاستطردت موضحة: هاتان الكلمتان كانتا موضع سؤال من أسئلة امتحانات الثانوية العامة.
- أولياء الأمور غاضبون، والطلاب كذلك.. ويشعرون بأنهم خدعوا وأنهم تفانوا فى حفظ مناهج دراسية تجاهلها خبراء الامتحانات، وجاءوا بعشرات الأسئلة المماثلة لـ«ما هو جمع حليب ونعناع» وبالتالى فهم -الطلاب وذويهم- أُفقِدوا أحلامهم فى بلوغ كليات القمة، رغم سهر الليالى والطوارئ المنزلية وإنفاق آلاف الجنيهات على الدروس الخصوصية وتوابعها من النفقات الرهيبة.
لست مع هذا الغضب.. يمكننى تفهمه.. رغم أننى قد أتضرر منه، فلدىّ طفلان سيخوضان نفس الامتحانات بعد سنوات قليلة. ولكن الحقيقة أن المهم هو المنظومة التعليمية نفسها، وهل هى تحفز بالفعل على الإجابة عن «حليبو» و«نعانيعو».. أم أنها لا تشجع على ذلك؟ بالطبع ليس حليبو ونعانيعو هما جمع حليب ونعناع، وإنما هناك افتراض بأن بعض الطلاب اجتهدوا ما أمكنهم فلم يجدوا غير كتابة طرائف وعجائب فى إجاباتهم.. أو ربما تندروا فى أحاديثهم الغاضبة عن الامتحانات بمثل هذه السخرية المرّة. أثق أن عشرات التعليقات الساخرة جرت على الألسنة، كلها غضب ولست معها إلا من باب الفكاهة.
محدثتى التى أعربت عن خشيتها على مصير ابنها الصغير المعلق مستقبلًا على نوعية هذه الأسئلة الموضوعة من خارج المنهج، ربما توقعت أننى سأشاركها المرارة وسأشجعها على المزيد من النقد والسخرية من الامتحانات. والحقيقة أن موقفى مختلف وأعتقد أن هذه الأسئلة طبيعية بل وضرورية جدا، لأنه بالنسبة للطالب المختلف الذى تلقى تعليمًا مختلفًا -إذا كان تلقاه فعلاً!- لن يضايقه التفكير فى الإجابة بما لديه من قدرات امتلكها على مدار سنوات دراسته السابقة، سواء جاءت من المنهج أم لا، فالامتحانات ليس هدفها فقط تحديد درجات يستحقها الطالب تؤهله لكلية مرموقة.. وإنما الامتحانات توضع لتقيس بالدرجة الأولى مدى اعتماد الطالب على العقل والوعى والتفكير السليم وإيجاد الإجابات الصحيحة. فى تقديرى أنه أمر يشبه خوض امتحان المستوى الرفيع أثناء خوض الاختبار العادى. طلاب متفوقون على مدى السنوات الماضية استفادوا من ميزة مثل هذا الامتحان وأضافوا إلى مجموعهم الأصلى درجات ضمنت لهم الالتحاق بكليات القمة.
المفكرون والمتخصصون وخبراء التربية سواء المصريون أو الأوروبيون يحثون ويطالبون المنظومات التعليمية والمسئولين عنها على ضرورة خلق روح البحث وأعمال العقل وروح الابتكار والتجديد عند الطلاب، بل إن دولا لديها منظومات دراسية تسمح للطالب بأن يحصل على إجاباته من كتب ومراجع يلجأ إليها أثناء الإجابة، ما قد نعتبره غشا صارخا يستحق المعاقبة الشديدة وتراه دول هذه المنظومات بأنه ينتج لها مستقبلا عشرات الدارسين النابغين فى المجالات كافة والذين تُعَوِّل على نبوغهم فى قيادة بلدانهم غدًا.
- حليبو ونعانيعو ليسا إدانة لمنظومة الامتحانات، لكن الحقيقة أن الإجابة عن سؤال ما هو جمع حليب ونعناع تقتضى بالضرورة وبالحتم منظومة تعليمية حقيقية.. تعتمد على مدرس كفء ومؤهل، ومناهج ملائمة للعصر ومواكبة للتطور، وطالب لديه وعى نقدى (الوعى الضدى) وسيستم يعمل.. وهنا يثور السؤال: هل منظومتنا التعليمية مؤهلة للإجابة بالفعل عن أسئلة «حليبو» و«نعانيعو»؟