أوراق مسافرة
ما إن تخطو قدماك وتدخلها، ستتعلق عيناك يأسا على مشهد طوابير الزحام أمام الشبابيك وأيضا الأبواب المغلقة، زحام لا يغتفر حتى دونما النظر إلى «زمن كورونا»، سيتناهى لسمعك صيحات القابعين خلف الشبابيك من الداخل، ولن أقول سبابهم و«تأففهم» من الجمهور والزحام، والمكان الضيق والمراوح المعطلة، وأكداس الأوراق، وعدم انتظام الطوابير، وسيرد الجمهور أيضا بلعنات وسباب وإجماع مشترك على جملة «حسبى الله ونعم الوكيل»، وأنت غارق فى عرقك وأفكارك السوداء حول الفوز بدور غير دورك، أو الوقوف فى «دورك» لتقضى بقية النهار، وصدمتك وشعورك بما يشبه الانهيار العصبى عندما تصل إلى الشباك «الهدف» ويخبرك من خلفه أن هناك شيئا ناقصا: «أوراق، ختم للنسر الرهوان، أو توقيع ميمون من مسئول»، ستشعر لحظتها بأن هناك من يطبق على رقبتك ويزهق أنفاسك، وستتمنى للحظة الموت أو الهجرة، وأهونها ستتمنى لو تحدث معجزة تنقذك فتختصر لك الرجوع إلى نقطة البداية، ومن لف الدائرة مرة أخرى أمام الشبابيك «كعب دائر»...
فى تلك اللحظة، ستنشق الأرض عن معجزة عبقرية، وستسمع كلمة بمثابة «صك الغفران» تنتشلك من هول ما أنت فيه «أى خدمة يا هانم» أو «أى خدمة يا باشا»، لحظتها ستشعر أن الله استجاب لاستغاثتك المكتومة لأن فيك شيئا لله، وان دعوات والديك اختزنت لتنفعك فى تلك اللحظة البائسة.. وستهتف بأنفاسك المتقطعة: أيوة عايز.
ماشى يا باشا اللى أنت عايزه، اقعد بس استريح خالص وهات أوراقك، وتسلمه أوراقك الهامة، وكأنك تسلمه روحك، وستدفع له بالطبع ثمن تأمين أوراقك معه وثمن راحتك، غالبا هذا المبعوث الذى أمامك ليس «حلنجى» يشتغل لحسابه، بل هو جزء من المنظومة داخل المكان، متفق معه عليك، وأنت مضطر للموافقة، بدليل أن الأبواب المغلقة تفتح أمامه، وأوراقك الناقصة ستكتمل معه فى لحظات، والتوقيعات والأختام المطلوبة ستنهال على أوراقك فى سلاسة وتناغم عبقري، وكله منك بيستفيد...
حين تغادر المكان موفقا، وقد دفعت «للمبعوث العبقرى» أضعاف ما كان مقررا أن تدفعه رسميا لقضاء مصلحتك، هذا اذا لم يسلمك تسليم «أهالى» لمبعوث آخر، بزعم أن قدراته الخدمية انتهت هنا، وعلى المبعوث الثانى أو الثالث أن يكمل معك، أنت وحظك فى عدد المبعوثين، وكله بتمنه أيضا، سيحدث لك كل هذا، وستدفع صاغرا مغتصبا الابتسام فى وجه المبعوث، وسيلهج لسانك بشكره، وأنت تلعن فى سرك «أمه» وستدعو عليه «يا رب يشترى بيهم دواء»، ومع انك دفعت لتختصر وقتك وجهدك، فحين تغادر المكان لن ترحمك عيون الخلق المتزاحم، سيحقدون عليك ويحسدونك، وسيلعنك احدهم سرا أو علانية، وسيهتف احدهم «شوف يا عم الكوسة ما فيش فايدة»، وستطاردك جملة الإجماع الجماهيرى «حسبى الله ونعم الوكيل».
عندما اشتكى المستثمرون من طيلة الإجراءات الرسمية لقضاء أمورهم وإنهاء أوراقهم، انطلقت فكرة الشباك الواحد، أو الخدمة المتميزة، أى أن يدفع المستثمر للدولة مبلغا إضافيا عن المتعارف عليه فى إنهاء الأوراق والإجراءات، مقابل سرعة الإنجاز واختصار الوقت والجهد، وبالتالى المستثمر يستفيد، والدولة تستفيد، ورغم انى ارفض التمييز فى تقديم الخدمات للمواطنين مقابل دفع مبالغ زيادة بصورة رسمية، وأرفض أن يعانى البسطاء وأبناء الطبقة الوسطى، فيما يرتاح المرتاحون أصلا، ولكن ما باليد حيلة، طالما النتيجة لا مفر منها، بأن القادر ماليا سيحصل على خدمة أسرع وغير القادر عليه أن يقف فى الطوابير والزحام، فلماذا لا يتم تقنين الأمر وتطبيق ما تم فى هيئة الاستثمار على كافة الخدمات والمصالح؟ أن يتم عمل شبابيك للخدمات المتميزة، تعمل على إنهاء الإجراءات بسرعة وتزيل العقبات، بمقابل زيادة الرسوم، وبهذا نقضى على «الحلانجى»، والمبعوثين الذين يقتسمون «الشاى بالياسمين»، مع بعض الموظفين، ويتم تقنين الخدمات المميزة فى كل المصالح، فنرتاح من الواسطة والمحسوبية والحلانجية، وتستفيد بالتالى خزانة الدولة.
فتح شبابيك للخدمات المتميزة سيخفف العبء عن البسطاء، وسيزيد من توظيف العمالة، وسيحقق دخلا إضافيا للدولة، دخلا يذهب الآن لجيوب الحلانجية والمتواطئين معهم من الموظفين، لأن الموظف المتآمر مع الحلانجى يعطل خدمة مواطن عادى من اجل مواطن آخر يمكنه الدفع، علينا أن نواجه مشاكلنا بوضوح ولا نكون كالنعام، وننكر ما يحدث ونقول كله تمام، وسلامة فى خير وخير فى سلامة.