نحو المستقبل
كم يفزع البشر حينما يسمعون أو يقرأون كلمة الموت وكم يتألمون حينما يجدونه ماثلاً أمامهم حينما يفقدون أحد أحبائهم فتنخلع قلوبهم فى صدورهم وهم لا يستطيعون له صداً أو دفعاً، فالموت، على حد تعبير أحد الفلاسفة، هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة فى الحياة وأن الانسان يعيش الموت فى كل لحظة يحياها. ومن ثم كان لا بد للانسان أن يتعايش مع هذه الحقيقة المؤكدة ويفلسفها. وكان أول من تعرض لفلسفة هذه الظاهرة المصريين القدماء الذين تحدوا الموت الجسدى بعلوم التحنيط وتحدوا الغياب الروحى عن العالم المادى بافتراض استمرار الحياة فى العالم الآخر. والطريف أنك لو حللت كل المنجزات الحضارية من علوم وعقائد دينية وفلسفات للمصريين القدماء لوجدت أن أساسه فلسفتهم عن الموت والحياة وعقيدتهم الراسخة بأن ثمة حياة أخرى بعد هذه الحياة الأولى حيث ستعود الروح لتبحث عن الجسد الذى كانت تتلبسه لتعود إليه من جديد استعداداً للحياة الأبدية الخالدة. لقد أبدعوا كل ما أبدعوا فى الهندسة والعلوم والعمارة والفنون والآداب استناداً إلى هذه العقيدة فى الحياة الأخرى والخلود.
وقد انتقل الاهتمام بفلسفة الموت والحياة من مصر القديمة إلى كل حضارات الدنيا شرقية كانت أو غربية بعد ذلك. وكان هيراقليطس من أوائل فلاسفة اليونان الذين عبروا عن الحقيقة القصوى للوجود بحديثه عن صراع الأضداد التى أبرزها الحياة - الموت، فمن الموت تتولد الحياة ومن الحياة يكون الموت. وقد اتخذ أفلاطون أول وأشهر فلاسفة العالم إيماناً ودفاعاً عن عقيدة الخلود من توالى الأضداد دليلاً على خلود النفس وأن ثمة حياة أخرى أبدية للنفس الصالحة.
وفى العصر الحديث اهتم كثير من الفلاسفة بالموت وقدموا له عشرات التفسيرات وبلوروا حوله الكثير من النظريات، وقد تفاوتت هذه النظريات بين الفلاسفة المؤمنين والفلاسفة الملحدين. ومن أهم مقولات الفلاسفة التى أعجبتنى باعتبارها تخفف آلام المتألمين لفقدان الأهل والأحباب مقولات الفيلسوفين الفرنسيين الشهيرين رينيه ديكارت المولود عام 1596م وبليز باسكال المولود عام 1623م، أما ديكارت فقد قال محاولاً علاج المكلومين بفقدان أحبائهم إنه توصل إلى علاج وجده بالغ الأثر لا فى مساعدته على أن يتحمل صابرا موت أولئك الذين يحبهم وانما أيضا فى القضاء على خوفه من موته هو، ويتمثل هذا العلاج فى النظر إلى طبيعة أنفسنا، تلك الأنفس التى «أعتقد أننى أعرف بوضوح أنها تبقى بعد الجسم وأنها قد ولدت من أجل ضروب من الفرح والغبطة أعظم كثيراً من تلك التى تتمتع بها فى هذا العالم، ومن ثم فإننى لا أستطيع التفكير فى أولئك الذين ماتوا إلا باعتبارهم ينتقلون إلى حياة أكثر سلاماً وعذوبة من حياتنا وأننا سننضم إليهم يوماً ما حاملين معنا ذكريات الماضى، ذلك لأننى أتبين فينا ذاكرة عقلية من المؤكد أنها مستقلة عن الجسم»، أما بليز باسكال فقد قال: «ليس هناك خير فى الحياة إلا الأمل فى حياة أخرى، ولا يكون المرء سعيداً إلا بقدر اقترابه من هذا الأمل، وكما أنه لن تقع ضروب من سوء الحظ لأولئك الذين يمتلكون ناصية اليقين القوى فى الأبدية، فكذلك ليس هناك سعادة لأولئك الذين لا يميلون إلى ذلك».
وبالطبع فقد حلت العقائد الدينية وخاصة فى الأديان السماوية محل هذه الفلسفات القديمة والحديثة وأدرك البشر عبر الرسالات السماوية أن أمر الروح بيد الله وأنه هو واهب الحياة وهو الذى يملك أسرار الموت والحياة، فأينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة وأنه لا تدرى نفس بأى أرض تموت. ومع يقين الإيمان يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره ويشكره على نعمة الحياة مع ألمه النبيل بفراق الأحبة، فلله ما أعطى ولله ما أخذ. إن الموت فى الأديان السماوية لا يعد انقطاعاً عن الحياة بقدر ما هو مجرد حاجز يفصل بين حياتين، حياة مؤقتة يبقى منها عمل المرء الصالح موجوداً معه فى حياته الأبدية الأخرى، إنه أشبه بانتقال من دار مرئية لنا إلى دار أخرى سنلحقهم فيها بعد حين! والرهان هنا على التقوى والعمل الصالح الذى هو طريق كل المؤمنين إلى الانتقال بسلام وطمأنية من الدار الأولى إلى الدار الثانية «والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم»، « فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون». ولو أننا تدبرنا أمر الحياة والموت من منظور ايمانى لفضلنا الموت على الحياة، فحياتنا الدنيا قليل فيها الأمل والسعادة والهناء إذا ما قورن بما فيها من شقاء ومشاكل ومؤامرات وحروب ومخاوف وآلام «وخلق الإنسان فى كبد» و«إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه». إن المؤمن الحق لا يجزع من الموت ولا يخشاه بل يسلم به قدراً محتوماً فكل نفس ذائقة الموت، وينتظره بعقل واعٍ وبقلب مؤمن بأن الحياة الأخرى هى الحياة بألف ولام التعريف.