طلة
فى كأس العالم الأخيرة منذ سنوات والتى شاركت فيها مصر، فاز حارس المرمى محمد الشناوى بجائزة أحسن لاعب فى إحدى المباريات، لكنه رفض أن يتسلم الجائزة عندما عرف أنها مقدمة من إحدى شركات الخمور، تصرف طبيعى من شخص مسلم ملتزم يدرك حرمانية الخمر وكل ما يتعلق بها من أعمال تجارية، لكن البعض وقتها أقام الدنيا ولم يقعدها ضد الشناوى، حتى إن أحدهم تساءل ساخرا: كيف يرفض الشناوى جائزة من شركة خمور وهو موعود فى الجنة بأنهار من خمر؟ طبعا صاحب هذا السؤال لا يعرف الفارق بين خمر الدنيا الحرام وخمر الجنة التى يكافئ بها الله عباده المؤمنين، ومثل هذا الشخص لا يجب تضييع الوقت فى النقاش معه لأنه يبنى كلامه على جهل.
تذكرت هذه الواقعة منذ أيام عندما قرأت تصريحا لواحد من هؤلاء الذين يسوءهم أن يروا أحدا ملتزما فى الوسط الفنى أو على الأقل يجتهد فى أن يلتزم ولو بأقل التعاليم الدينية. الحكاية أن يوسف الشريف وهو ممثل ناجح له مسلسلات قيمة وهادفة يشيد بها الجميع، تداولت وسائل الإعلام مؤخرا تصريحه الذى قال فيه إنه يحرص فى جميع أعماله الفنية على عدم ملامسة النساء. نفس منطق الشناوى، الرجل يدرك أن دينه يحرم عليه ملامسة أى امرأة أجنبية عنه فكان حريصا رغم أنه أحد نجوم الفن على أن يتحاشى أى مشهد فيه ملامسة لزميلة له فى العمل الفنى. تصرف أراه طبيعيا وليس بمستغرب بل ويستحق الإشادة لكن طبعا خرج علينا واحد من هؤلاء الذين يسوءهم مثل هذه التصرفات ليصف تصرف يوسف الشريف بأنه تطرف وغلو فى الدين بل وشق على صدر الرجل وتدخل فى نواياه، وقال إن الشريف بهذا التصريح إنما يغازل التيار المتطرف فى مصر، والحمد لله أن منتقد الشريف لم يتمادى فى انتقاده لأنه ربما وبهذا المنطق يجد الشريف نفسه متهما بالانضمام لجماعة محظورة لأنه لم يشارك فى مسلسل الاختيار 2!
الغريب أن من هاجم الشناوى أيام كاس العالم ومن يهاجمون يوسف الشريف حاليا هم من يدعون أنهم حريصون على حرية الرأى، يعنى حتى لو جردنا تصرف الشناوى والشريف وغيرهما من أى صبغة دينية فلماذا لا نحترم حرية أى إنسان فى اتخاذ ما يراه من قرارات طالما أنها لم تضر أحدا؟ أنت حر مثلا كمنتج أو كمخرج ألا تختار الشريف كبطل لعملك طالما أنك ترى أن هذا العمل لن يصلح دون ملامسات وقبلات بين البطل والبطلة، مثلما كانت شركة الخمور حرة فى اختيار لاعب آخر غير الشناوى لتمنحه جائزتها. وكما ندعم حرية الشناوى والشريف فى الرفض ندعم حرية أى ممثل آخر أو لاعب آخر فى القبول. نحن ندعم الحرية الحقيقية والمطلقة فى الاختيار وليس حرية بالمقاس أدعمها إذا راقت لى وأرفضها لو كانت ضد افكارى، ندعم حرية الاختيار لأن كل إنسان مسئول عن اختياراته. من تعتزل الفن لأنها تراه حراما بعد عدة تجارب حرة وكذلك من تستمر فى الفن حرة، من ترفض مشاهد العرى والأحضان على الشاشة حرة وكذلك من تقبل أن تظهر شبه عارية وترتمى فى أحضان البطل حرة. من تعتزل الغناء لأنها اقتنعت أن صوت المرأة عورة حرة، ومن لا تعترف أن صوت المرأة عورة وتستمر فى الغناء حرة لكن ليس من حق أى إنسان وليس فقط الفنان الذى يختار طريقه بالرفض أو القبول أن ينتقد الآخر أو يقوم بتأويل قراره نيابة عنه كأن فلانة اعتزلت لأنها حصلت على مبلغ كبير من ثرى عربى وبمجرد انتهائه ستعود أو أن فلان يرفض القبلات لأنه متطرف دينيا!
الحرية الحقيقية أن تترك للآخرين حرية الاختيار وألا تنصب نفسك وصيا تصف أحدهم بالتطرف والإرهاب لمجرد أنه يرفض لنفسه ولأهل بيته الذين هو مسئول عنهم ما قد تقبله أنت على نفسك وعلى أهل بيتك الذين أنت مسئول عنهم، وإذا لم يكن من حقك أن تصف أحدهم بأنه متطرف وغرهابى فليس من حق من يرفضون تصرفاتك أن يصفوك بأنك فاسق أو زنديق. كل منا مسئول عن اختياره وهذا هو الاختيار الحقيقى والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض