تأملات
اعتقد، ولدى فى ذلك أسباب عديدة، أن كل يوم يمر على صعيد أزمة سد النهضة يمثل خصمًا من رصيد مصر التفاوضى فى مواجهة المماطلات الإثيوبية وهو ما يستدعى قدرًا من القلق عبر عنه بشكل هادئ وزير الرى المصرى محمد عبدالعاطى فى معرض إشارته إلى التحديات التى تواجه مصر على خلفية أزمة إنجاز السد.
أقول ذلك وفى ذهنى مظاهر الثبات التى تبدو على الموقف الرسمى، التى تبعث الطمأنينة والراحة لدى المواطن المصرى، وهو ثبات محمود ويجب تشجيعه والثناء عليه غير أنه يجب أن ينطلق فى النهاية من أرضية المواجهة الحاسمة للتأثيرات السلبية لما يجرى من تطورات ومواجهتها وليس الإقرار بها.
ولذلك ينتابنى فى بعض الأحيان قدر من الدهشة على حجم الإنشغال المصرى– شعبًا وحكومة– بالكثير من القضايا غير المهمة وإغفال ذلك التحدى الوجودى الذى يمثل تهديدًا لأهم مصدر للحياة وهو المياه. صحيح أن الدولة تبذل قصارى جهدها لتوفير مصادر أخرى بديلة والتغلب على مشكلة نقص المياه إلا أنها فى النهاية ليست الحلول المثلى أو المجدية سواء على المدى القصير أم الطويل، فضلًا عن كلفتها الباهظة، وحقيقة أنها لن تغطى بأى حال من الأحوال حجم العجز المائى الذى يمكن أن يحدث نتيجة أى تلاعب إثيوبى فى نصيب مصر من مياه النيل.
الواقع يشير إلى أن إثيوبيا ماضية وبكل السبل فى إنجاز السد وتتفنن فى إيجاد مصادر التمويل ورفع الهمم لدى أبناء شعبها لإنجاز المشروع وذلك رغم المشاكل العديدة التى تواجهها وعلى رأسها أزمة إقليم تيجراى، وهى تتصرف فى هذا الصدد وكأنه ليس هناك من يعارضها أو يتحفظ على عملية إتمام بناء السد، فهى لا ترى مواقف مصر والسودان الرافضة وتمضى قدمًا دون توجس أو تحفظ. ليس ذلك فقط بل إنه بدأ الكشف عن مخططات اعتزام أديس أبابا إقامة سدود أخرى على مجرى النيل، الأمر الذى يهدد بالسيطرة الكاملة على مياهه وتحويله كما قال وزير الخارجية الإثيوبى إلى بحيرة وليس نهرًا دوليًا.
وتعزز الموقف الإثيوبى البيئة الدولية التى تتسم بمواقف مائعة تجاه أزمة السد وآخرها وأكثرها خطورة موقف إدارة بايدن من القضية الذى يؤذن بتحول شبه كامل فى الموقف الأمريكى على خلاف موقف إدارة ترامب على نحو ما بيننا فى مقال سابق.
لقد كان الموقف الأخير الذى تم اتخاذه هذا الأسبوع ذا دلالة بالغة ويتمثل فى عدم ربط العقوبات الاقتصادية على إثيوبيا بتطورات بناء السد، وإذا أضفنا إلى ذلك بعض المواقف المتحفزة لتلك الإدارة تجاه عدد من القضايا فى ملف العلاقات المصرية الأمريكية حتى ليبدو وكأن الأمر ورقة ضغط على القاهرة، لأمكن تصور حدود الموقف الأمريكى ومسار تطوره خلال الفترة المقبلة.
على أساس هذه الرؤية، فمن المتصور أنه يجب عدم ترك ملف سد النهضة فى مرحلة هدوء ورفعه إلى مصاف قضية ساخنة على أجندة العلاقات الدولية خاصة فى ظل إصرار إثيوبيا على تنفيذ عملية الملء الثانى فى يوليو المقبل. بغض النظر فى هذا الصدد عما يذهب اليه البعض من أن هذه العملية وبهذا القدر البالغ ١٣.٥ مليار متر معكب قد لا تلحق أى ضرر بمصر، فالمشكلة ليست فى الضرر العاجل وإلا لصمتت مصر ولم تدخل فى عملية تفاوض على مدار السنوات الماضية إلا بعد أن أصبح الخطر على الأبواب!
ولعله من هنا تأتى أهمية دعوة السودان مؤخرًا إلى تدويل الأزمة من خلال إشراك أطراف دولية للتوسط فيها رغم أن بعض هذه الوساطات من قبل بعض هذه الأطراف مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقى لم تؤت أكلها من قبل، غير أن تحقيق ذلك سيجعل الأزمة فى قائمة الاهتمامات الدولية، وهو أمر جيد وإن كان لا يغنى عن سبل تفكير أخرى ربما تدخل فى عداد المسكوت عنه فى الخطاب الرسمي!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض