ندى
نواصل رحلتنا فى البحث عن مشروع أديب نوبل نجيب محفوظ المسرحى.
يؤكد الكاتب محمد سلماوي أن نجيب محفوظ موهبة عبقرية متفردة وهو ينتمي إلى طائفة الكتاب الذين يتم اكتشاف جوانب جديدة من إبداعهم بمرور الوقت، وفي أوروبا تعاد طباعة أعماله عكس كاتب بقامة كلود سيمون الفرنسي الفائز بجائزة نوبل عام 1984 الذي لم تعد أعماله تطبع اليوم .
وقال سلماوي: خلال رحلتي للدراسة بانجلترا عام 1969 طلب مني ناشر دار هايتمان ترجمة بعض مسرحيات نجيب محفوظ لأنهم تنبهوا في الخارج لأهمية مسرحياته، التي يغلب عليها الجانب الفلسفي والتأثر بأساليب مسرح العبث التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فبعد عام 1967 كان المجتمع يسائل نفسه: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وهل خدعنا؟ وأين نحن؟ وأين الحقيقة؟ وقد سألت نجيب محفوظ آنذاك عن المسرحيات التي كتبها آنذاك، فقال: أجد في المسرح ما لم أجده في الروايات فالمسرح يقدم الجدل والنقاش بأكثر مما تقدمه الرواية .
الناقد الراحل رجاء النقاش سأل محفوظ: لماذا لا تكتب مسرحاً؟ فقال: المسرحيات لا يمكن أن تخرج من الغرف المغلقة وأعمالي لا يمكن تقديمها على المسرح كما هي من دون إعداد مسرحي خاص .
كتب محفوظ مسرحيتي الشيطان يعظ والجبل عام 1971 وتكشف هاتان المسرحياتان أن نجيب محفوظ كان على وعي تام بطبيعة البناء المسرحي وتطور الشخصيات .
د . حسن عطية أستاذ النقد المسرحي في جامعة حلوان يشير إلى تأثر محفوظ بتيار مسرح العبث وخاصة كتابات يونسكو وسارتر وألبير كامي وكان سبب إعجابه بهذا التيار هو تماهي الشكل بالمضمون، فالشكل الروائي يدخل في إطار اللامعقول أو العبث وكذلك المضمون، وعندما جاءت هزيمة يونيو 1967 شعر محفوظ بأنه فقد اتزانه وأن الشكل الواقعي البسيط لا يصلح للتعبير عن هذه الحالة التي كانت في رأيه أقرب للعبث، وفي الفترة من 1967 إلى 1970 اندفع محفوظ تجاه تيار اللامعقول، لأنه وجده أكثر تعبيرا عن الحالة التي كنا نعيشها فكتب تحت المظلة والتي تعد أقرب أعماله إلى تيار العبث، وعندما بدأ في استعادة توازنه العقلي والروحي، عاد مرة أخرى إلى الشكل الواقعي البسيط وخلع ثوب اللامعقول، والملاحظة التي يجب الالتفات اليها أن أول مجموعة قصصية ظهرت لنجيب محفوظ في الأربعينات بعنوان همس الجنون كانت فيها نزعة أقرب إلى اللامعقول ولكنه لا يستطيع تصنيفها تحت هذا التيار لأن موضوعها كان يستدعي أن تأخذ هذا الشكل على عكس تحت المظلة التي اقترب فيها من هذا التيار بإرادته واختياره مسرح العبث .
الدكتور إبراهيم الحسيني أستاذ النقد الأدبي في جامعة عين شمس قال إن صدمة هزيمة 1967 قد أحالت كل الأشياء إلى خواء وعبث وكل الكتابات لم تعد تؤدي وظيفتها، وسقطت الأقنعة وهربت الروح وفرضت علامات الاستفهام وجودها على كل شيء، وقد ظهرت كردة فعل قوية على ذلك كثير من الأعمال الإبداعية التي تحاكم الهزيمة وتبحث عن المسؤولين عنها . وفي هذا الإطار أثيرت أسئلة عن جدوى الكتابة: لماذا نكتب؟ ، ولمن نكتب؟ وكان نجيب محفوظ من هؤلاء الذين نهشتهم الأسئلة فأقدم على كتابة قصصية مغايرة في هذه الفترة، لكن القصص لم تنه أزمته وأسئلته، لذا فقد بحث عن شكل أدبي آخر فكان المسرح أهم الأشكال الأدبية الأخرى قربا إلى تفكيره. ونكمل فى الحلقة القادمة إن شاء الله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض