تأملات
أظن -وليس كل الظن إثماً- أنه على مدار تاريخ مصر الحديث، ومنذ أن أنشئت ما تسمى بـ«وزارة الإعلام» لم يحظ وزير على رأس تلك الوزارة بذلك الهجوم الذى حظى به أسامة هيكل ومن قبل هذا الإعلام الذى يفترض أنه يخضع فى سياساته وتوجهاته لإشراف تلك الوزارة.
شخصيا عشت مهنيا ما يمكن وصفه بالعصر الذهبى لوزارة الإعلام خلال تولى صفوت الشريف فى النصف الثانى من الثمانينات ورأيت كيف كان يتعامل الإعلام الرسمى الذى عملت به سواء كان تليفزيونا وصحافة مع شخص الوزير وكيف أن كلامه كان مقدسا! وهناك تفاصيل فى هذا المجال لا مجال لسردها. ولكن ما يحدث مع هيكل شىء فريد فى تاريخ التعامل مع الوزراء بشكل عام والإعلام بشكل خاص.
وإذا أقررنا أن الوزير هيكل ليس ملاكا ولا شيطانا وأنه يجب أن يخضع كما أى مسئول فى موقع سلطة للمساءلة، فإن ما يلفت النظر أو يستوقف المرء المتابع للأمر هنا أن عملية النيل من هيكل لم تأخذ هذا الشكل.. المساءلة والحساب.. وإنما عكست ما يمكن اعتباره سيمفونية من الهجوم عليه علت نبرتها فجأة وخفتت فجأة حتى تصور البعض أن الأمر لا يعدو أن يكون زوبعة فى فنجان!
إلا أن التقرير الذى قدمته لجنة الإعلام والثقافة والآثار لمجلس النواب ردا على بيان الوزير أمام المجلس يعيد القضية مرة أخرى إلى الواجهة فى ضوء ما احتواه من طرح بالغ الخطورة والأهمية بشكل تشعر معه – إذا صح كل ما ورد به – وكأن هيكل قد ارتكب عددا من الجرائم التى لا تغتفر وقد يستحق عليها المحاكمة الأدبية، إن لم تكن الجنائية، بتهمة الإضرار بمصالح الوطن!
إذا تجاوزنا مخالفة مسألة الجمع بين منصب وزير الإعلام ورئاسة مدينة الإنتاج الإعلامى، إلى جانب المخالفات المتعلقة بفندق موفنبيك وماجيك لاند باعتبارها مسألة بحاجة إلى متخصصين بل ومحققين، فإن باقى التقرير يتضمن مسائل تبدو مطاطة وتهما مرسلة، تضمنتها البنود من ٩ إلى ١٥ (يمكن قراءة نص التقرير على موقع جريدة الأهرام على شبكة الإنترنت) مثل القصور الإعلامى فى إبراز إنجازات الدولة المصرية، وغياب دور الوزير فى مواجهة محاولات اختراق العادات والتقاليد، وعدم قيام الوزير بدوره المأمول فى تفعيل دور التليفزيون والرقابة على المحتوى الإعلامى الذى يتم بثه من داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، وعدم نجاح الوزير فى تحقيق تواجد إعلامى مصرى مؤثر فى المنطقة يليق بمكانتها إقليميا.
تزداد دهشتك إذا علمت أن رئيسة اللجنة هى السيدة الفاضلة المثقفة الدكتورة درية شرف الدين، والتى تولت ذات المنصب دون أن يعلم الكثيرون بهذا الأمر ما يشير إلى أن فترة توليها للمنصب سقطت من حسابات الزمان! فضلا عن عمرها الطويل أمد الله فيه – فى الإعلام ما يفترض معه أن تكون على دراية بتشابكات الأوضاع التى تجعل ما ورد فى التقرير فى حكم الكلام المطاط.
أما إشارة التقرير إلى الاصطدام بين الوزير والإعلاميين، فربما يكشف تحليل ما حدث أن الوزير كان على حق فيما أثاره، وأن الهجوم القاسى من قبل إعلاميين محددين ذوى الكعب العالى فى التحدث باسم النظام هو الذى أظهر المسألة وكأنها خناقة داخل إعلام الدول استغلها الإعلام المعادى كما يشير التقرير. ثم إن مثل هذا الاصطدام حدث من قبل ليس بين وزير والإعلام وإنما بين وزيرة والمجتمع ككل، هى وزيرة الصحة ورغم ذلك تم تسوية الأمر بشكل يصب فى النهاية فى صالح الوزيرة.
لست بالطبع فى وضع الدفاع عن هيكل، فمن المفترض أنه لديه أدواته للدفاع عن نفسه، وليس لى مصلحة شخصية أو غير شخصية حيث توقفت علاقتى به بمجرد توليه الوزارة، وليس هناك من هدف سوى الكشف عن تناقض الخطاب وازدواجيته فى مجتمعنا فى شأن بعض القضايا على نحو تغيب معه الحقيقة.
فى ظل هذه الحالة فربما – من وجهة نظرى المتواضعة – تعتبر استقالة الوزير هى الحل، أو إقالته.. لعل ذلك يريح من يريد أن يستريح وتتحقق انطلاقة الإعلام المصرى المهمة التى فشل فيها هيكل خلال عام!!.. تخيل خلال عام!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض