تأملات
باعتبارى على المستوى الشخصى أحد المصريين الذين يشعرون بقدر من عدم الراحة لتطورات الوضع بشأن ما آل إليه إنشاء سد النهضة، فقد أثارت تصريحات الرئيس السيسى منذ أيام لدي حالة من الارتياح النفسى حيث حرص الرئيس على طمأنة المواطنين بشأن هذه القضية داعيا إياهم لعدم القلق، مشيرا إلى أنه سيتم التوصل إلى نتيجة بالتفاوض والصبر وثبات المصريين وعدم قلقهم.
غير أن هذه الحالة سرعان ما تبددت على ضوء التطورات التى جرت وتجرى بعد تصريح الرئيس، ومن هنا أرجو عدم اعتبار حديثى هذا مثيرا لقلق المصريين بقدر ما هو محاولة لإعادة تأمل المشهد على أمل رؤية ضوء فيما يمكن أن تنتهى إليه المفاوضات بشأنه. فمن الأفضل أن ينشغل المصريون، دون توتر وبثبات كما دعا الرئيس، بمثل هذه القضية التى تؤثر على حاضرهم ومستقبلهم عن أن ينشغلوا بغيرها من القضايا التافهة سواء كانت خاصة بمقدمات أزمات كروية أو مؤخرات فنانات!
إذا اتفقنا أننا–أنا وأنت– نحكم على الأمور بما نراها وليس بما يدور وراء الكواليس، فإن المشهد مثير للإزعاج ولا يدعو للاستبشار بحدوث انفراجة أو اختراق فى هذه القضية يحقق مصلحة الطرفين المتضريين وهما مصر والسودان. وإذا كنت قد أشرت فى مقالى الأسبوع الماضى إلى ما اعتبرته مونولوجًا مصريًّا بشأن أزمة سد النهضة، فى إشارة إلى أنه يبدو من تطورات الموقف أن مصر تظهر وكأنها تكلم نفسها، فإن الصيغة ذاتها تبدو قائمة على الجانب الأثيوبى حيث يبدو أنه يعيش حالة مونولوج خاصة مع نفسه بشأن الأزمة ذاتها، ما يعنى فى النهاية أن أى مفاوضات لا تتجاوز كونها ما يسميه الأخوة الشوام «حوار طرشان».
آخر مظاهر هذا الأمر – المونولوج الأثيوبى – هو تصريحات وزير الرى الأثيوبى التى تنسف فكرة المفاوضات من الأصل وتكشف عن أنها مضيعة للوقت ليس إلا بتأكيده على أن بلاده غير معنية بفشل الأطراف فى التوصل إلى اتفاق بشأن السد خلال الجولات الماضية التى كان يرعاها الاتحاد الإفريقى وأن أثيوبيا ستبدأ عملية الملء الثانية لسد النهضة خلال الأشهر المقبلة فى تحدٍ واضح لكافة مواقف القاهرة والخرطوم الداعية إلى عدم بدء عملية الملء الثانية قبل التوصل إلى اتفاق.
دعك طبعا من الحرب النفسية الساعية لتأكيد أن السد انتهى بوصول نسبة البناء فيه إلى أكثر من ٩١٪ ومحاولات خلط الأوراق باتهام مصر والسودان بتعطيل المفاوضات، وكأنه من المفروض أن تستمر تلك المفاوضات إلى ما لا نهاية، لكن المهم أن تلك المواقف من وزير الرى الأثيوبى لا تمثل سوى استمرارية للموقف الأثيوبى العام الذى يرى أن أديس أبابا ستمضى فى خططها بشأن السد وملئه وأن على المتضرر ليس اللجوء إلى القضاء وإنما أن يضرب رأسه فى الحائط!!
الأكثر مدعاة للدهشة هو طبيعة الرد المضاد على مثل هذه المواقف الأثيوبية والتى لا تتجاوز ما حدث مع الملء الأول من التأكيد على ضرورة عدم القيام بهذه الخطوة إلا بعد الترتيب مع الدولتين المتضررتين وهو ما تجاهلته أديس أبابا فى الملء الأول وتصر على تأكيد تجاهله فى مساعيها للملء الثاني.
ولعله مما يزيد لديك حالة الاستغراب والدهشة بشأن أزمة سد النهضة فى هذا الخصوص تحولات الموقف السودانى وهو موقف يعزز فكرة أن التعاطى الخاطئ مع أية أزمة يزيدها تفاقما ويفرض أوضاعًا على الأرض يصعب معه تغييرها. لقد أصبحت نبرة الخرطوم غاضبة وزاعقة متجاوزة مواقف القاهرة وهو أمر رغم صحته وأهميته فى مواجهة الموقف الأثيوبى إلا أنه يثير الأسى على تأخره كل هذه الفترة.
يعزز الصورة السلبية عن مسار الأزمة تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية والتى رغم أنها كانت موجهة للرأى العام المصرى أساسا من خلال وسيلة إعلام مصرية، إلا أنها واضحة فى وجود تغير سلبى فى موقف واشنطن بفعل تغير الإدارة الأمريكية حيث إنه فيما كان ترامب يتبنى الموقف المصرى بالكامل، بغض النظر هنا عن أى تحفظات عليه، فإن التصريح الأمريكى الأخير يشير إلى حالة ميوعة فى موقف ادارة بايدن على نحو قد يتطلب المزيد من الجهد لإعادتها إلى الوضع الذى كان عليه موقف واشنطن من قبل.
وفى ضوء اتفاقنا على أننا لا نرى الصورة كاملة، دعونا نتسلح بالأمل، باعتبار أن من يديرون الأمر ليس لديهم ما لدينا من قلق، فقادة مكة أدرى بشعابها!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض