رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نحو المستقبل

عجبت ممن لا يزالون بتحدثون عن مسألة أصل الفلسفة ويعتقدون أنهم ليسوا بحاجة لمناقشة الموضوع على اعتبار أن لفظة «الفلسفة» يونانية وأن فلاسفة اليونان منذ القرن السادس قبل الميلاد هم أول من أعمل عقله فى التساؤل عن أصل الوجود وقدموا الرؤى المختلفة عن ذلك كل حسب اقتناعه وحججه العقلية !! وهم فى ذلك لا يزالون يتجاهلون ما أفنى المرء فيه عمره محاولاً الكشف عن خرافة ما أطلقوا عيه «المعجزة اليونانية» سواء فى أبحاث متفرقة أو فى كتب مثل «نحو تأريخ جديد للفلسفة القديمة» أو «الفكر الفلسفى فى مصر القديمة» الذى يتم ترجمته الآن للغة الإيطالية أو «الخطاب السياسى فى مصر القديمة» التى تفضلت الهيئة المصرية للكتاب بنشره ضمن مكتبة الأسرة لتعم الفائدة ويقرأ على نطاق واسع أو «الفلسفة الشرقية القديمة» فلقد أوضحت فى كل هذه الكتب أن لفظة الفلسفة نفسها من أصل مصرى قديم نجح برنال فى كتابه الشهير «أثينا السوداء» فى بيانه، كما أن فيثاغورث أول من استخدمه واستقاه من مصر القديمة قد تعلم فى مصر معظم أفكاره من الهندسة وعلم العدد إلى سرية التعاليم الفلسفية!! 

لقد تناسى هؤلاء المؤمنون بالمعجزة الغربية – اليونانية فى نشأة الفلسفة أن للحضارات الشرقية فلسفات وفلاسفة سبقوا نشأة الفلسفة عند اليونان، وأن الفلسفة كأى نشاط فكرى آخر للانسان قديمة قدم وجوده، وأنه لم يوجد منذ بدء وجوده على ظهر الأرض إلا ليتساءل، أى ليفكر، وكان أهم مظاهر هذا التفكير، التفكير الفلسفى فى أصل الوجود، وأصل الكون وما وراءهما، وطبيعة الإنسان ومصيره!

لقد تجمد هؤلاء عند مقولات أرسطو عن معنى الفلسفة ونشأتها عند طاليس وفلاسفة ملطية القديمة منذ القرن السادس قبل الميلاد وتناسوا أن الفلسفة طبعت فى كل عصر من عصورها بخصائص هذه الحقبة أو تلك من حقب التاريخ الحضارى للإنسان، ومن ثم فقد اختلفت صورة التفكير الفلسفى وتأملات الإنسان الفلسفية وتطورت حسب تطور حياته من عصر إلى آخر، وأن كل واحدة من الحضارات الإنسانية الكبرى ظهرت وتميزت بخصائص فكرية معينة. وكان المفكرون والفلاسفة هم دائمًا قادة الفكر ورواد الإبداع فى كل هذه العصور، بل هم من صنعوا بأفكارهم وتأملاتهم ومذاهبهم الفكرية الفارق بين عصر وآخر، وهم من أيقظوا الناس وقادوهم إلى كل القفزات الحضارية الكبرى عبر التاريخ الإنسانى.

وعلى ذلك فإنه لا ينبغى – من وجهة نظرى– أن نصبغ التفكير الفلسفى قديمه وحديثه ومعاصره بصبغة أرسطية يونانية، لأن العصر اليونانى ومثله الكبير أرسطو قد عرفوا الفلسفة وحددوا المنهج الفلسفى فى إطار عصرهم وصنعوا من خلال هذا التعريف المحدد للفلسفة بأنها علم دراسة الوجود بالنظر العقلى الخالص مجدهم الفكرى.

إن علينا أن ندرك أن الانسان فى كل العصور السابقة كان له فلسفته ورؤيته لحقيقة الوجود وأن كل هذه الفلسفات الشرقية القديمة وتبعًا للمرحلة الحضارية التى ظهرت ونمت وازدهرت فيها كانت محاولات فذة من قبل أصحابها فرادى كانوا أو جماعات مجهولة الأسماء والكتابات لإبراز رؤى مختلفة ومتمايزة حول الكون، أصله وطبيعته، حول الإنسان، أصله وطبيعته، حول الأخلاق الإنسانية وتشكيل المجتمع الإنسانى المتحضر.

وبالطبع فإنه مهما كانت نظرتنا إلى مدى تميز الفكر الفلسفى اليونانى عن الفكر الفلسفى فى هذه الحضارات الشرقية الكبرى السابقة عليه، فإنه لاشك قد أخذ منها ونقل عنها وتأثر بها؛ فالصلات الحضارية بين بلاد اليونان فى مهدها وبين تلك الحضارات الشرقية القديمة العريقة كانت دائمًا موجودة بشكل أو بآخر.

إن أنصار «المعجزة اليونانية» خاصة و«المعجزة الغربية» عموما عليهم أن يراجعوا أنفسهم ويعُملوا عقولهم فى بديهية تقول: إن الانسان خُلق ليفكر ويعُمل عقله فى جنبات الوجود، وليس من المعقول أنه منذ وجوده على ظهر الأرض كان خلوا من التفكير الفلسفى !! كما أنه لا يمكن بحال أن ينسب كل الابداع العقلى علوما كان أو فلسفة للغربيين لأن هذه «خرافة» يكذبها تاريخ الفلسفة والعلم فهم – أى الغربيون - على أقصى تقدير قد أبدعوا فى إطار ما نقلوه وتعلموه من الحضارات الأخرى قديما ووسيطا وحديثاً. ومعنى ذلك أنهم لم يصنعوا «معجزة على عير مثال سابق» عبر تاريخهم الطويل ؛ فهم دائما يمثلون حقبة من حقب التطور الفكرى للبشرية لها ما قبلها ولها ما بعدها.