هموم وطن
التعامل مع البشر أصبح فناً وعلماً له أصوله وقوانينه ومعلموه، وله ايضا محاذيره ونواهيه وطرق التصدى لمن يخالفون هذه الأصول وهذه القوانين، وكلما حاولت دراسة هذا العلم والتعرف على الطرق التى يمكننى من خلالها تجنب التعامل مع البعض أو الاقتراب من البعض الآخر، أجدنى أحن إلى الفطرة السليمة التى فطرنى الله عليها، وهى أننى لا أريد إلا العيش فى سلام وهدوء نفسى وتطلعات شاعر لا يحلم إلا بمدينة أفلاطونية فاضلة، لا أحصل فيها على أكثر من حقى فى الحياة وحقى فى التعبير عن نفسى بما لا يضر الآخرين، وحقى فى مستقبل آمن لى ولأسرتى وأبنائى من بعدى.
أندهش من أناس ينظرون معى إلى حديقة مليئة بالزهور والثمار والطيور والمياه العزبة نظرة تختلف اختلافًا كليًا عن نظرتى بالمرة، فأنا أطرب لصوت العصافير وأجلس تحت الأشجار المثمرة لأستنشق العبير وآكل من الثمار وغيرى لا يريد من الحديقة إلا قطع أشجارها وإتلاف ثمارها والتعدى على حرماتها وتغيير معالمها ومعرفة الثغرات التى وقعت عند مالك الحديقة لكى يستولى عليها لنفسه ويحرم صاحبها الذى تعب فيها وأنفق كل ما يملكه لكى يجملها ويجعلها تحفة للناظرين، هذه هى نظرتى وتلك نظرة غيرى التى لا تحمل سوى الأنانية والشر والنظر لما فى أيدى الغير وحب الاستحواذ والتملك بدعوى تحين الفرص واقتناصها والفوز بلذات من لا يعرفون قيمة ما تحت أيديهم.
أنا لا أطمع إلا فى التقاط صورة تذكارية بين هذا الجمال وأكتب قصيدة تسمو فيها نفسى إلى سماحة العصافير وبساطتها وثقتها فى رزق الله حيث تغدو خماصًا وتعود بطانًا، وغيرى الذى نشأ فى نفس الظروف وربما نفس البيئة ينظر إلى شاعريتى وأحاسيسى وأوراقى وقلمى على أنها أدوات لا تصلح لهذا العصر، وتراه يردد النصف الثانى من بيت الشعر الذى يقول.. ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً.. أى لا مكان لكل هذا سوى الشر والتدليس وحرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم.
أنا لا أريد سوى شكر ربى على النعم التى حبانى بها وأطلب منه المزيد، وهناك من يريدون الوقوف ضد إرادة الله فى المنع والمنح ولا يريدون سوى بث الأحقاد والكراهية فيما لا يستطيع أن يمنعه، ذكرنى ذلك بقصة طريفة جاء فيها أن ملكاً وقف على قارعة الطريق وقابل شقيقين فقال لأحدهما ماذا تريد من النعم وسأحققها لك على الفور.. فقال الرجل أريد شاة أحلبها وأشرب من لبنها.. ونظر لشقيقه وقال له وانت.. ماذا تريد؟ فقال له أريد ذئباً يأكل شاته.
هذه هى أحلام البعض وهذه أيضًا أطماع البعض الآخر ونسأل الله أن يرزقنا هدى النبى صلى الله عليه وسلم فى حديثه الشريف الذى يقول (حب لأخيك ما تحب لنفسك) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وللحديث بقية إن كان فى العمر بقية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض