ضوء فى آخر النفق
- يفاجئنى ما يحدث! ولست ممن يقبلون بمقولة «إنت عايش فى مصر»! يا لها من جملة أبغضها. فمصر لا علاقة لها بأخطاء المصريين. ليست هى من لا تعرف قيمتها ولا قيمة أبنائها؛ وإنما الروتين والبيروقراطية والنظرة القصيرة الضيقة هى من تفعل ذلك. يتفاخر بعضهم ممن يقومون على بعض الأمور بأنهم يفكرون «خارج الصندوق»؛ وتعجبهم جملتهم «المحفلطة»؛ ووقع رنينيها الموسيقى على الآذان؛ والحقيقة أنه ليس كل مسئول قادرًا على مثل هذا التفكير المبتكر، وربما بعضهم يفعل ذلك فى أمور دون غيرها.. رغم ما قد يكون لها من أهمية بالغة.
- تخيلوا معى أننا- كتابًا وقراءً- ونحن نبحث عن كفاءات تتقلد المقاعد المؤثرة النافذة بنا إلى المستقبل، يفاجئنا وربما يبكينا وجودها ولكنها فى غير مكانها، لا يستفيد منها أحد؟ هى كفاءات لا شك وقد منحها قراء وكتاب وآخرون جائزتهم، بالمتابعة والتواصل والتقدير لما يقولونه أو يكتبونه، ويضاف إلى ذلك إقبالهم على مؤلفاتهم ومناقشة أطروحاتهم، خاصة إذا كانوا ممن يحملون القلم وحوروفوا مهنة الإبداع والخلق والكتابة.
- كتاب عظام وشعراء ونقاد مبدعون، تنشر لهم أهم المجلات المُحَكِمة داخل مصر وخارجها، وتدفع لهم أحياناً بالعملة الصعبة وتضع إبداعهم ودراساتهم على أغلفة المجلات المتخصصة والصحف السيارة والكتب المؤلفة.. ويتواصل معهم كتاب وروائيون كبار ومرموقون، ويدعوهم مسئولون سابقون وأساتذة مرموقون إلى مجالسهم وربما يولمون على شرفهم أيضاً، ومع هذا فلا يستفيد منهم مصر إلا النذر اليسير.
- نقاد وشعراء يحملون درجة الدكتوراه، ويسعى إليهم كثير من المؤلفين والشعراء والطلاب الدارسين ويطلبون إليهم أن يقدموا لهم الدعم الفكرى والمساعدة.. ومع هذا فهم يجلسون فى بيوتهم، قلما يستفيد منهم طلاب علم فى جامعة أو كلية أو معهد أو ما شابه ذلك! قد تجد بعضهم يعمل فى إحدى المدارس(!!) هو على الأوراق مجرد موظف، وهوّ من هوّ على صفحات أعرق وأهم المطبوعات، يكتب أبحاثًا مبتكرة، ويناقش نظريات نقدية أو شعرية جديدة، أو يعيد النظر فى تراث قدامى المبدعين من أمين الخولى ومصطفى ناصف إلى استخراج المخبوء فى شعر امرؤ القيس؛ والتدقيق فى أحكام المواريث والمقارنة بين العقاد وطه حسين، على غرار ما كتبا عن أبى العلاء، ف«العميد» كتب وناقش تراثه الفكرى، أما «العملاق» فقد ذهب ليستحضره من الغياهب وكتب «رجعة أبى العلاء».
أمثال هؤلاء المبدعين يحملون راية التغيير والمقاومة أيضاً، فقد عبر أحدهم مثلًا عن الانتفاضة الفلسطينية شعرًا وألّف ديوانًا ممتدًا عنها على مدار سنوات، نحت له عنوانًا فريدًا مثل «قيامة الماء»؛ ثم مضى فى شوط التنوير إلى آخر مدى يستطيعه، فاستلهم تاريخ الإمام بن حزم؛ رئيس وزراء الأندلس؛ الذى استشرف ضياعها وقدم مشروعًا فكريًا للأمة فى 80 ألف صفحة؛ وأثرى مكتبتنا بمؤلفين مسرحيين الأول بعنوان «رقصة الحياة» والثانى «زيارة بن حزم الأخيرة»؛ ومن يقرأهما يستطيع أن يعرف إلى أى مدى مصر ولاّده. هؤلاء يمتلكون القدرة على إحياء مناهج التفكير الخلاقة التى سادت فى صدر القرن الماضى، بنظرة مختلفة!
- أَمِثلُ هؤلاء لا تتخاطفهم جامعاتنا ومعاهدنا؟ أيعقل أن يبقى طلابنا يدرسون الشروح على المتون، وعن فلان وعن فلان، وهؤلاء المبدعون محبوسون ومرتهنون لحساب وظائف يتولاها طلبة الدبلو(ن) أو الدبلوم لا فرق؟!