رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

لا أتفق كثيرا مع من يذهب إلى أن معركة الانتخابات الأمريكية لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وأنه على هذا الأساس قد يكون من قبيل التزيد، وفق أصحاب هذا الرأى، الاهتمام بها ومتابعتها بشغف وعن قرب، ذلك أن نتيجة هذه الانتخابات – وأتمنى ألا أكون مبالغا – قد تلقى بتأثيرها على حياتنا ربما بأكثر مما تلقيه عليها انتخاباتنا العربية باعتبار أن هذه الأخيرة محسومة سلفا، وباعتبار أن القابع فى البيت الأبيض يتحكم بمصائرنا ومقدراتنا على نحو قد يفوق الوصف، وقد يفوق تحكم حكامنا فى مصائرنا!!

على هذه الخلفية ربما يبدو مبررا ما بدت عليه معركة (ترامب – بايدن) من كونها الشغل الشاغل للإعلام العربى على نحو يذكرنا نحن فى مصر مثلا بمباريات (الأهلى والزمالك) وما يسود من حالة استقطاب خلالها بين الجماهير. وعلى هذا الأساس أيضا لا أستطيع أن أخفى سعادتى – على خلاف كثيرين فى عالمنا العربى وخاصة على مستوى أنظمة الحكم – بخسارة ترامب ورحيله من البيت الأبيض غير مأسوف عليه. وليس فى موقفى أى تناقض إذا تذكرت، عزيزى القارئ، ذلك المقال الذى أشدت فيه بموقفه بشأن قضية سد النهضة المساند لمصر بشكل قد يكون فاق مساندة المصريين لأنفسهم!! فهذه نقرة وتلك نقرة أخرى.

وبعيدا عن اتساع حجم تأثير ترامب (السلبى) فى العالم العربى بطوله وعرضه، فإنه يكفيه ما قام به وأتمه على صعيد ما يمكن وصفه تجاوزا بـ«الصراع العربى الإسرائيلى» والتى تعكس مفرداتها عبارة أصبحت بفضله من مخلفات الماضي! لقد حقق ترامب على هذا الصعيد اختراقين لم يستطع أى رئيس أمريكى على مدار عمر هذا الصراع تحقيقهما سواء فى الشكل أم المضمون. يتمثل الأول فى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، القرار الذى لم يجرؤ رؤساء أمريكيون سابقون كثيرون على الإقدام عليه وأقدم هو عليه بجسارة إن صح التعبير، أو بدم بارد إذا حاولنا وصف الخطوة من نظرة معاكسة!

وأما الاختراق الآخر فهو العمل على تسريع وتيرة مشروع إدماج إسرائيل فى المنطقة الأمر الذى رغم عدم اكتماله تماما إلا أنه قطع شوطا كبيرا لا بأس به ويسهل لأى رئيس أمريكى بعده البناء عليه دون كثير مجهود، وهو اختراق حلم به قادة إسرائيل منذ قيامها وبلوره رئيسها السابق شيمون بيريز من خلال مخططه الشامل عن الشرق الأوسط الجديد والذى ربما تم تطوير صيغته أو شكله ليصبح ممثلا فى مشروع «صفقة القرن».

أما إذا نظرنا للتطور المتعلق بخسارة ترامب على صعيد الناخب الأمريكى أو من منظور دولى، فيمكن القول إن ترامب ربما يكون الرئيس الذى قل أن تجد إجماعا على الترحيب برحيله مثلما حدث معه، فهو الرئيس الذى كسر أو حطم قواعد العلاقات التى تحكم النظام الأمريكى وحتى الدولى، الأمر الذى تم بفعل ما اعتبره سياسيون أمريكيون فجاجة فى التعبير والسلوك، فاستطاع بحق اختطاف السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية لصالح تفكيره الغريب وطبع تلك السياسة بطابعه الشخصى، ما خرج بالسياسة الأمريكية عن إطار الصفة الأساسية التى تسمها وهى أنها سياسة مؤسسية!

ورغم أن شخصا مثلى لا تشغله كثيرا القضايا والشئون الداخلية الأمريكية، وإنما ينعكس اهتمامى بها فى حدود تأثيرها على قضايانا فى المنطقة، إلا أنه مما يعزز ما أذهب إليه التصريحات المختلفة للرئيس المنتخب جو بايدن التى أدلى بها عقب اعلان فوزه والتى تمثل أفضل تعبير عن نقائص حكم ترامب، وهى تصريحات تستمد أساسها من حقيقة كون بايدن يعكس مشاغل الأمريكيين، بغض النظر عن خصومته بالطبع مع ترامب، وعما فى هذه التصريحات من طابع وردى وكونها تخاطب وجدان الناخب الامريكى بل ووجدان العالم من قبل رئيس يسعى لتقديم صورة إيجابية عن نفسه فى مستهل حكمه.

وقد لمس بايدن قدرا كبيرا من الحقيقة حينما أكد أن من أولوياته أن يجعل من بلاده بلدا محترما مرة أخرى فى العالم، فى ظل ما لحق بها من تراجع على يد ترامب. ليس ذلك فقط بل ذهب بايدن فيما يبدو تقديم سياسة بديلة ومخالفة لما قدمه ترامب، إلى أنه سيسعى للتخلص من الخطاب السيئ لنظام سلفه بوقف معاملة الخصوم كأعداء، وأن يكون رئيسا يسعى للوحدة وليس للتفرقة. هذا فضلا بالطبع عن التأكيد على احتلال مواجهة فيروس كورونا مرتبة أولى على أجندة حكمه الأمر الذى فشل فيه الرئيس الأمريكى ترامب بامتياز.

أما على الصعيد الخارجى فقد أكد بايدن اعتزامه الغاء قرار الانسحاب من منظمة الصحة العالمية والعودة إلى اتفاقية باريس للمناخ. وفى إطار ما يمكن أن يعتبر رسالة تصالح أعلن نيته الغاء حظر السفر لمواطنى عدد من الدول ومن بينها الدول ذات الأغلبية المسلمة.

ليس هدف هذا الحديث دغدغة مشاعر القارئ ومحاولة الإيحاء له بأن القادم أفضل، فبايدن أو ترامب – بغض النظر عن أى تقييم سلبى للأخير – يسعيان لتحقيق مصلحة بلدهما وفق المنظور الذى يرياه. وفى إطار الحقائق المتعلقة بوضع الدول العربية فى سياق النظام الدولى، فإن ما سيختلف فقط نوع القفاز الذى سيستخدم معنا هذه المرة وهو قفاز حريرى لا شك، وليس ذلك النوع الخشن الذى كان يستخدمه ترامب.. الأمر الذى يؤكد فى النهاية مقولة أن العلاقات الدولية لا تحكمها سوى لغة القوة.. تلك اللغة التى نفتقدها شكلا ومضمونا!

[email protected]