عاجل
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
علاء العطار

 

 

لم تكد تمر بضعة أيام على حادث مقتل المدرس الفرنسي صاحب الرسوم المسيئة للرسول الكريم على يد شاب ذي أصول شيشانية، حتى اهتزت أرجاء فرنسا والعالم أجمع بحادث آخر أكثر مأساوية وأوسع تأثيرا ، شهدته مدينة نيس، ارتكبه مراهق تونسي في يوم احتفال المسلمين بمولد الرسول، في ارتباط محزن ومقيت ولا يمت لإنسانية ومباديء الإسلام بصلة.

وهو ما قد يفتح الباب على مصراعيه_ إذا لم يتم تدارك الأمر _ لسلسلة من العداءات المتطرفة بين جانبين، قد تمتد أذرعها لبلدان أخرى غير فرنسا.

من هنا تبزغ أمامنا علامات استفهام حيرى؛ يتقدمها سؤال أولي: لماذا تكرر الأمر وعلى هذا النحو البشع؟ هل يرجع السبب لكيفية تعامل الدولة والحكومة الفرنسية مع الحادث الأول، أم لتوغل الفكر المتطرف بين الأقلية المسلمة هناك؟

في الواقع فإن للتفسيرين نصيبا من الصحة؛ ذلك أن الأسلوب الذي تعامل به ماكرون تجاه حادث ذبح مدرس الرسوم المسيئة قد حمل من الرعونة والسطحية ما كان كفيلا بتفجير الوضع أكثر، وهو ما لا يجب أن يصدر عن رئيس دولة تواجه تطرفا من نوع دموي، فالأمر كان بحاجة لمعالجة أكثر حكمة مهما كانت قسوة الحادث، خاصة إذا كان بلدك ذا سجل حافل في التعرض لمثل هذه الحوادث على مدار سنوات ماضية، وهو ما يجعلك أكثر خبرة وتأهيلا للمواجهة، أما ما حدث فكان أشبه بمواجهة مراهق طائش لآخر صفعه أمام أصدقائه فقرر هو رد الصاع صاعين، وقد فعلها ماكرون مدافعا عن علمانية تتبناها دولته، متناسيا أن العلمانية في مبادئها تحترم ديانات الآخر ورموزه ، ولا تبيح التعدي عليها بداعي الحرية، وهو المبدأ ذاته الذي دفع دولته لاحتضان الأقلية المسلمة والسماح بإقامة مساجد وممارسة الشعائر الدينية دون مصادرة واضحة، لكن فيما يبدو أن جهل ماكرون قد وصل به مبلغ تبرير اندفاعه بدفاعه المزعوم هذا.

وعلى الجانب الآخر فإنه لا يمكن إغفال أن فرنسا تواجه بالفعل تطرفا وإرهابا فكريا ودمويا تغلغل بين الأقلية المسلمة هناك على مدار سنوات طوال، ترعاه وتغذيه بعض الجمعيات الدينية وبعض أئمة المساجد الذين كانوا أحد الأسباب المباشرة في التحريض على المواجهة الدموية، في تناقض مخزٍ وجهل مطبق لتعاليم الإسلام السمحة، فقد أبرز الحادث الأخير الدور الذي تقوم به هذه الشبكات والجمعيات في نشر خطاب الكراهية والعنف داخل المجتمع،وهو ما كشفت عنه تحقيقات الأمن الفرنسي من تحريض أحد أئمة المساجد عبر أحد منشوراته على موقع فيسبوك ضد المدرس والدعوة للقيام بعمل ما ضده إضافة الى نشر عنوان المدرسة التي يعمل فيها، وتبادل أحد أولياء الطلاب الرسائل مع القاتل المراهق، وهو ما يشير ويؤكد علاقة تلك الجمعيات بجماعات الإرهاب المتطرف على مستوى العالم.

فهل كانت نشأة تلك الجمعيات المتطرفة رد فعل طبيعيا لتطرف علماني غربي على الجهة الأخرى أم العكس هو الصحيح؟

بعيدا عن الدخول في دائرة مفرغة لن تنتهي من كيل الاتهامات وتتبع المتسبب الأول؛ فإن الوضع الراهن يستتبع البحث عن حلول ناجعة، بدءا من ضرورة مراجعة فرنسا وغيرها من دول الغرب لكيفية التعامل مع ديانات ورموز الآخر وعلى رأسها الإسلام، والتفريق هنا بين حدود الحرية التي لا يُقبل أبدا تجاوزها للإساءة والتطاول، ثم وضعها خطة قابلة للتنفيذ المجتمعي لتغيير البيئة المحيطة بالأقليات ومحاصرة الجمعيات المتطرفة وتغيير السياسات تجاه الأقلية المسلمة.

أن تنحى فرنسا وغيرها منحى الموضوعية في الحل ، لهو الحل ذاته والخطوة الأولى نحو القضاء على تطرف طال الكثير من الدول، أما مواجهة التطرف بتطرف آخر ومبارزة العنف بعنف أشد فسوف تكون له من العواقب ما سيتجرع ويلاته العالم أجمع.