حادثة الطفل ذي الخمسة عشر عامًا الذى قاد سيارة والده المستشار وهو لا يحمل رخصة قيادة وتطاول على رجل الشرطة وحين خرج من النيابة بكفالة كبيرة سجل فيديو آخر يتباهى ويتفاخر فى طفولة ومراهقة بأنه من الناس الذين لا يطبق عليهم القانون باعتباره ينتمى لأسرة من القضاء هذه الحادثة لا تختلف كثيرًا عن الصحفى الشهير الذى خرجت له تسريبات من زوج ابنته وهو يردد ذات الكلام والمعنى بأنه فوق القانون وأنه لديه مكانة وحصانة فلا ابنته يتم استدعاؤها إلى الأقسام أو المحاكم ولا أحد يقدر أيًا كان أن يوجه له أى مساءلة قانونية، وفى ذات السياق الاستعلائى العنصرى الطبقى نجد إعلانات نواب البرلمان وتسريبات وتصريحات من المرشحين وقوائمهم عن الملايين العشرة التى تم دفعها نظير الترشح والدخول فى سباق البرلمان الذى من المفترض أنه يمثل الشعب ويعبر عن آماله وطموحاته وآلامه فكيف لمن يملك تلك الملايين أن يقدم استجوابًا لوزير عن ارتفاع سعر المياه أو الكهرباء أو النقل أو المدارس أو الصحة أو التأمين، هل هؤلاء المتورمون ماديًا وسلطويًا يقدرون على التعبير عن الشعب وتمثيله لاسيما أنه لا توجد لديهم أحزاب على أرض الواقع لها تاريخ ولها وجود ولها كيان وعلى تماس تاريخى وحضارى مع الشارع المصرى.. الطفل نتاج ثورة يناير وفوض الشارع وغياب الرقابة والثقافة والإعلام والتعليم عن بعد والتابلت وكذلك ذلك الصحفى وهؤلاء المرشحون الجدد، الجميع شركاء ومتشابهون فى أنهم قد تصوروا أن النظام القديم والذى قامت من أجله ثورة وسقط رئيس وتم حرق حزب ومهاجمة مؤسسات عديدة فى الدولة ودخل الإرهاب والإخوان وسقط شهداء شرطة وجيش وقضاء ومواطنون، هل هذا بسبب ذلك النظام القديم والذى كان نظامًا عنصريًا طبقيًا يعتمد على ثلاثة أنظمة ألا وهى الحكومة والجهات السيادية والعدالة متمثلة فى الشرطة والنيابة والقضاء وأخيرًا الثروة ورجال الأعمال والكرة والفن.. هذا ما جسده فيلم«فبراير الأسود» إنتاج 2013 تأليف وإخراج «محمد أمين» وبطولة «خالد صالح» وقد خرج للنور دون رقابة فى تلك الفترة لكنه لا يعرض على أى قناة مصرية وإنما على شبكة نيتفلكس الأجنبية.. هذا الفيلم الذى يتحدث عن الأنظمة الثلاثة التى بسببها قامت ثورة يناير وهتف الشعب يريد إسقاط النظام وهنا يكون النظام هو الطبقية والعنصرية التى تمنح هؤلاء سلطة وقوة ومكانة فوق القوانين وفوق الشعب لدرجة أنهم يعتبرون أنفسهم «آمنين» و«مطمئنين» لأنهم ذوو حيثية وسطوة لا تجعل أى كائن من كان يستطيع أن يردهم. والفيلم كوميديا سوداء عن «حسن» دكتور علم الاجتماع وأخيه «صلاح» دكتور الفيزياء النووية الذى يعمل فى الطرشى لأنه لم يجد مكانًا يستوعب اختراعه, أما «حسن» فانه اكتشف فجأة أن الأسرة التى لا تنتمى إلى أحد هذه الأنظمة أو الفئات الآمنة لن تحيا حياة كريمة فإذا به يستقيل من الجامعة ويفسخ خطبة ابنته «ريم» من الدكتور «معتمد» لأنه ليس من الآمنين الواصلين ويسعى لخطبتها مرة لقاضٍ ومرة لضابط أمن دولة ويمنع ابنه من التعليم ليصبح لاعبًا للكرة يقلده رئيس الجمهورية آنذاك الأوسمة ويستقبله رئيس الوزراء ووزير الشباب والرياضة، كل هذا فى قالب ساخر يحاول البطل والأسرة أن يهاجروا إلى أى بلد أجنبى حتى وإن اقتضى الأمر أن يدعوا الشذوذ أو الالحاد ومهاجمة الإسلام أو الحمل والولادة فى الجو ليحصل الطفل على جنسية أجنبية وينتهى الفيلم بمشهد الفتاة «ريم» ابنة «حسن» وهى تنتظر هتاف الجماهير بإسقاط النظام وأمامها يجلس الخطيب السابق أستاذ الجامعة والقاضى والضابط والمأذون والأب يفكر ويقول أى الأنظمة سوف تسود بعد الثورة هل العلم أم الأنظمة الأخرى؟! ومازلت على يقين أن رئيس الدولة يريد العلم بدليل افتتاحه لأكبر جامعتين إحداهما فى العلمين والأخرى فى شرم الشيخ واهتمامه بالشباب والبحث العلمى وإصراره على البناء وعلى العدل وعلى القانون وعلى أن يكون النظام للدولة والمؤسسات وليس لهؤلاء الآمنين أو المتطاولين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض