تأملات
هناك حديث نبوى بالغ الدلالة، وإثارة للقلق فى الوقت ذاته فى ضوء ما يشير إليه بشأن التحولات المحتملة للإنسان فى علاقاته تجاه الآخرين، يقول فيه الرسول: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء! وهو فى حدود فهمى الضيق أو لزوم التبسيط أنك ممكن تحب إنسانا ليلا وتكرهه صباحا أو العكس! وسبب الإشارة لهذا الحديث مشاعرى فى هذه اللحظة تجاه الرئيس الأمريكى وهى لمن يتابع ما أكتبه تأتى على خلاف تلك التى أكنها له وأعلنت عنها مرارا تجاه ترامب.
موقفى من ترامب سلبى، بل وبالغ السلبية وأسبابى فى ذلك عديدة ذكرتها ومن الصعب تكرارها، ولكن الرجل فاجأنى بعفويته وتلقائيته – إذا افترضنا أن الأمور على المستوى الرئاسى فى دولة مثل الولايات المتحدة تسير على هذا النحو – بما ذكره فى اتصاله مع رئيس الوزراء السودانى بشأن سد النهضة!
لقد قدم ترامب فى تلك التصريحات جرعة تفوق التحمل، للإثيوبيين أو حتى المصريين بشأن حقيقة الموقف على صعيد ما جرى ويجرى بشأن سد النهضة. لن أصدق على ما قاله ترامب أو أكذبه فذلك أمر يخصه، وإن كان من الصعب تصور أن يقدم على ذكر أمور على غير ما جرى فى الواقع، ولكن الخلاصة أن ما قاله مذهل بكل المعانى، لقد فجر الرجل القنبلة التى لمح إلى أنه قد يتم تفجيرها فى سد النهضة!!.
ورغم أن الأمور فى مثل هذه القضايا يجب أن تؤخذ بتروٍ وبعيدا عن الانفعالات، إلا أنه لا يمكن الاختلاف على أن كلام ترامب خطير، وأنه رغم خطورته، ورغم عدم صدور رد فعل رسمى عليه من مصر حتى الآن، يصيب كبد الحقيقة وقلبها وكل جزء منها!، أو بتعبير نصر علام وزير الرى الأسبق شهادة للتاريخ بصحة موقف مصر.
وإذا كنت قد أشرت من قبل وبأكثر من صيغة إلى أن الموقف المصرى من أزمة سد النهضة يجب أن يدخل فى صميم مناهج العلاقات الدولية والدبلوماسية فى الدلالة على كيفية ضبط النفس، وعدم الانسياق وراء الاستفزازات التى تواجهها الدولة فى بيئة التعامل الدولى، إلا أن ترامب ربما عبر عن أمنية إن لم نقل تفكير القائمين على الأمر فى مصر وهو وأد مشروع سد النهضة فى مهده، أو فى عبارة أخرى من تصريحاته «تفجير السد»، الأمر الذى حالت دونه فى البدايات الظروف الاستثنائية التى عشناها بسبب ثورة يناير.
ليس ذلك فقط بل إن ترامب استخدم أسلوبا- ربما ينظر إليه من قبل مدرسة الحمائم فى مصر – على أنه أسلوب تحريضى وربما يتم هنا استدعاء تجارب أخرى مماثلة لعبت الولايات المتحدة دورا مماثلا، وإن كان الخلاف هذه المرة أن الأمر صادر عن أكبر منصب هناك هو الرئيس وليس مسئولا دبلوماسيا، سفيرا أو وزيرا أو غيره، كما أنه لم يتم الإعلان عنه فى غرف مغلقة وإنما على الملأ وعلى الهواء مباشرة!
ورغم أن طرح التحريض ربما لا يجب استبعاده، بعيدا عن كونه يعكس حالة من المبالغة فى نظرية المؤامرة، إلا أنه لا يمكن فى الوقت نفسه نفى أن فى هذا الموقف أكبر تعزيز للرؤية المصرية حتى أنه يمكن القول دون تجاوز أن ترامب بذلك ربما يعتبر أفضل محامٍ عن الموقف المصرى بشأن أزمة سد النهضة أمام المجتمع الدولى، وذلك رغم صعوبة أن أحدد أنا شخصيا أبعاد موقف ترامب فى حدود متابعتى للسياسة الأمريكية! ومن ذلك مثلا هل يرد ترامب لإثيوبيا الصاع صاعين فى ضوء أنها أفشلت مساعيه شخصيا لإنهاء الأزمة؟ أمر وارد.
بعيدا عن تخمينات التحريض فإن الحقيقة تشير إلى أنه بترامب أو بدونه، فإن القيادة المصرية لها رؤيتها ولها خططها للتعامل مع أزمة السد وفق منطق عبرت عنه الدبلوماسية المصرية بل والرئيس السيسى شخصيا مرارا يقوم على حق الآخر فى التنمية دون إضرار بحقنا فى الحياة، وأنها على هذا الأساس تبقى كل الاحتمالات مفتوحة للتعامل مع الأزمة. وفى تحركها على هذه الخلفية فإن مصر تسعى لتهيئة مسرح السياسة الدولية لتفهم موقفها الذى ربما كانت كلمات ترامب معبرة عنه بشكل غير مسبوق وهو أن مصر فاض بها الكيل، وأنها – حسب كلماته – لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة!
بعيدا عن الطرح الخفيف الذى حاولت أن أتخذه مدخلا لمناقشة هذا التطور المتعلق بتصريحات ترامب، وهو طرح لازم فى ضوء التوجه العام لالتزام أقصى درجات الدبلوماسية واللياقة و-الأناقة- فى التعامل المصرى الرسمى والشعبى والإعلامى مع أزمة سد النهضة، رغم أن الطرف الآخر – إثيوبيا – لا يتعامل بذات المنطق، إلا أن الأزمة فى تقديرى، الذى ينتابه قدر من الانفعال، ربما تكون قد دخلت فصلا جديدا وهو فصل يصب فى صالح الموقف المصرى، بغض النظر عما قد يثيره البعض من تشكيكات، لها قدر من المصداقية، بشأن ثمن هذا الموقف وما إذا كان جزءا من حزمة سياسات تشمل تمرير التطبيع الإسرائيلى فى العالم العربى.
وعلى هذا فإن السؤال الذى سيشغل كافة الدوائر المهتمة بالأزمة وسبل حلها هو: هل ستفكر مصر بطريقة ترامب؟ الرد الذى اتخيل أننى اسمعه ويعكس رؤية الدبلوماسية المصرية هو: كل الخيارات مفتوحة! وهو بالمناسبة لا يتعارض بأى شكل مع ما ذكره ترامب!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض