ضوء فى آخر النفق
كثيرون ممن يؤيدون الدولة فى المطلق،يدللون على صواب القرارات الصعبة كالرسوم والغرامات الخ،والتى يبدى البعض -خصوصًا غير القادرين -تذمرًا لدى تطبيقها، بالقول بأن الفساد فى الشعب وليس فى أجهزة الدولة. ليس لأن الشعب لم يعد ينتج بالقدر الكافى، ولم يعد يقدس قيم العمل والإجادة، والنزاهة ورفض الرشوة، وإنما لأنه بقطاعاته المختلفة بات يتفنن فى منهاج ممارسة الفساد، حتى بات ذلك ظاهرة عامة بحاجة إلى دراسة. فـ«التزويغ» من العمل مثلًا تمارسه جميع الفئات والطوائف لا استثناء لأحد، من الطبيب إلى المهندس إلى العامل.. وغير ذلك من فئات المجتمع.
عرقلة العمل فى المؤسسات الحكومية أمر يمارسه من بلغ قمة المواقع التنفيذية ومن لم يرتفع عن أدنى مستوياتها. تلقى الرشوة المُجَرَّم وفق الأديان والقوانين بات ظاهرة تستعصى على المكافحة. تستيف الأوراق، وإبلاغ المسئول كذبًا بذرائع وحجج واهية لعدم الإنجاز وتقديم الخدمات! موظف واحد يمكنه ترتيب أمر إنارة طريق واحد بعشرات من أعمدة الإنارة بتقرير يدبجه، وهو نفسه الذى يستطيع فى ظروف أخرى -وبتقرير يدبجه أيضا- منع هذا الحق عن طرقٍ أخرى! التفنن فى إهدار المال العام رغم أن الدولة مدينة وفقيرة وتغطى العجز فى الموازنة بحيل وأساليب لا تخفى على أحد خبيرًا كان أم قليل الخبرة والوعي!
فتش فى قرارات الكبار ستجد ما يؤيد ما يذهب إليه كثير من المؤمنين بصواب قرارات الأسعار والرسوم وتغيير وزن الرغيف وتعديل طريقة حساب شرائح المستهلكين لخدمات الماء والكهرباء والغاز! نقد صارخ لتصرفات وسلوكيات وقرارات كثير ممن هم فى مواقع المسئولية، وذلك على الرغم من غضب الرئيس الشديد ممن يوقفون «المراكب السايرة»، ولا يقومون بالعمل المطلوب.. ويحرصون على السير «جنب الحيط» حتى ينتهى يوم العمل على خير، دون أن ينذروا أو يوبخوا أو يقالوا من مناصبهم؟
هل حقًا فسد الناس؟ هل هم الذين خالفوا القانون وحدهم وابتكروا طرقًا ووسائل قتلت فى المجتمع روح الابتكار والعمل والإنجاز والنزاهة؟ أليس هؤلاء المسئولون من نفس الشعب،ومن هؤلاء الناس.. ولم يستوردوا من الخارج؟
هناك خلل رهيب فى المجتمع. ننشىء طرقًا جديدة وفى المقابل يفسد المقاولون الطرق القديمة، إذ يخربونها بحفر أخاديد فيها عندما يركبون مواسير الغاز أو الصرف الخ، ثم يتركونها ويذهبون وهم آمنون من العقاب! تنتشر القمامة فى الشوارع على الرغم من شراء «حاويات» لجمعها فيها إلا أن هذه الحاويات تتبخر وتختفى من الشوارع!. المساعى تبذل لميكنة المؤسسات والتخلص من الأوراق والتوقيعات ولكن المنفذين يفرغون القرارات من مضمونها بلوائحهم العقيمة فيزيدون تكدس الناس ومعاناتهم! يدفع الناس رسومًا باهظة عن كل شىء لكنهم فى المقابل لا يحصلون على خدمات متميزة وأكثر جودة! يطبق المسئولون قرارات الإزالة للعقارات بلا هوادة، لكن أحدًا من المسئولين عن الإيواء والتسكين لم يكلف بالمتابعة وإدراك أن هذه الإزالة يستتبعها ضرورة إيجاد مأوى للأطفال والنساء الذين فجأة وجدوا أنفسهم فى العراء!
كم حملة شنت على القرى السياحية والفنادق وأماكن الترفيه لمتابعة استهلاك كميات المياه والكهرباء والخدمات والتى لا نجنى عنها رسوما بالقيمة الحقيقية،مع أن الغالبية العظمى تدفع دم قلبها من المنبع؟