نحو المستقبل
لاشك أن الفيس بوك يعد أهم الادوات المعاصرة للاتصال بين البشر وأنه بما يتيحه من امكانيات واسعة ومجانية قد تجاوز كل وسائل الاتصال الأخرى كالتليفون والبريد والتلغراف .. الخ. وأصبح من فرط سهولته وعدم التكلفة باستخدامه أيضا من وسائل دمقرطة العالم، حيث يستخدمه الفقراء والأغنياء على حد سواء فكل من يملك التليفون المحمول – والكل الآن يملكه – يمكنه التعبير عما يشاء بحرية تكاد تكون مطلقة! ولاشك أيضا أنه أصبح رمزا لشعور الفرد أيا كان عمره وأيا كان مكانه بالحرية والاستقلالية وتحقيق الذات. وفى العبارة الاخيرة مكمن خطورته إذا أسىء استغلاله؛ فالمعروف أن كل اختراع حديث يكون له آثاره السلبية بقدر ما يكون له فوائد ايجابية، ومن قبيل تحصيل الحاصل القول بأن التليفون المحمول والفيس بوك وتطبيقاته بقدر ما يتيح ويشجع الاتصال الشخصى وتكوين الصداقات، بقدر ما يفرق بين أفراد الاسرة الواحدة ويزيد من عزلة الفرد داخل هذه الجماعة الصغيرة كما يكاد يقطع العلائق بينهم ويسبب الكثير من المشكلات الأسرية ويهدم العلاقات الزوجية فى أحيان كثيرة!!
والحقيقة أن الصداقات التى يكونها الأفراد فيما بينهم عن طريقه إذا لم يترتب عليها صداقات مباشرة، فهى تكون بلا قيمة حقيقية حيث ستبقى صداقات افتراضية مشكوكا فى أطرافها؛ فما الذى يضمن لكل طرف أن الطرف الآخر شخص حقيقى ولا يستخدم اسما وهميا أو صورة غير صورته؟ وما الذى يضمن أن المتحدث على الطرف الآخر هو صاحب هذه العبارات أو كاتب هذه السطور أيا كان المضمون الذى تحمله؟! ولعل هذه الشكوك هى ما تجعل الطرفين يحاولان اللقاء المباشر وهنا تحدث الصدمة والمشاكل وخاصة بين العشاق وطلاب المتعة أو المنفعة!!
إن ما طرحه أرسطو بشأن التمييز بين الصداقة الحقيقية والصداقة المزيفة يساعدنا هنا على توصيف أكثر دقة لصداقات الفيس بوك الافتراضية فهى فى معظم الأحيان صداقات مزيفة؛ فهى من جهة ليست مباشرة بحيث تمكن الصديق من اختبار صديقه فى المواقف المختلفة ومعرفته عن قرب، وهى من جهة أخرى مبنية على اتصالات وعبارات قد تكون غير حقيقية لأنها ربما تأتى من شخصيات وهمية غير حقيقية ومن خلال حسابات مزيفة ومزورة! إنها صداقات لا تحقق معنى الصداقة الحقيقية فى مفهوم أرسطو؛ تلك الصداقة التى يحب فيها الصديق صديقه حبا حقيقيا لا يستهدف من ورائه تحقيق منفعة أو لذة وقتية، تلك الصداقة التى تتوطد مع مرور الوقت وتقادم الزمن فى السراء والضراء، الصديق فيها لايخون ولا يغدر، لا يغش ولا يخدع، هى الصداقة التى مهما طال الزمن وبعدت المسافات تظل قوية ويظل الصديق فيها سندا لصديقه فى غيابه وحضوره، فى لحظات سعادته وفى أوقات الأزمات والمآسى. وفى مثل هذا النوع من الصداقة الحقيقية قد يكون للفيس بوك والواتس آب دور فى الحفاظ عليها بما يحققه من سهولة وكثرة التواصل بين الأصدقاء.
وفيما عدا ذلك يبقى الفيس بوك عالما مفتوحا للفرجة ومجالا للاستعراض على حد تعبير بعض مستخدميه ومحللى دوره. يبقى مجالا للتنفيس عن مكنونات النفس وشطحات العقل مع ما فى هذا وذاك من خصوصية يتيح الفرد بنفسه للآخرين انتهاكها وربما استخدامها ضده وللتنكيل به على كل المستويات العاطفية والعملية والاجتماعية والسياسية، فما يكتبه الفرد وهو فى لحظة عزلة معينة أو فى لحظة ضيق قد يكون أداة لزيادة هذه العزلة وادامة هذا الضيق إذا لم يتعاطف معه الآخرون ويحاولوا معه حل مشكلاته إذا كان ذلك ممكنا واذا افترضوا صدقه وامتلكوا امكانية مساعدته.
أما تلك النكزات والاعجابات أو التهانى والتعازى المتبادلة بين مجموعات الصداقة على الفيس بوك فهى مع كونها وسائل تواصلية قد تسعد النفس وتزيد من مساحات التشارك الافتراضى اللحظى بين الأصدقاء، لا يمكن أن تكون بديلا للقاء الشخصى المباشر ولا يمكن أن تحقق القدر نفسه من السعادة أو المشاركة الوجدانية التى يحققها اللقاء المباشر. إن الفرق اذن كبير كبير بين الصداقة الحقيقية بمعناها الآرسطى التقليدى وبين تلك الصداقات الافتراضية التى لا تسمن ولا تغنى من جوع رغم كثرتها وتجاوزها للحدود المكانية والفيزيقية، فصديق واحد حقيقى أفضل عشرات المرات من آلاف الأصدقاء الافتراضيين، إذ إنه يمثل السند الحقيقى فى السراء والضراء وهو المستودع الحقيقى لأسرارك بما فيها من انتصارات وهزائم واخفاقات وانكسارات، فهل يمكن لصداقة الفيس بوك أن تأتيك بمثل هذا الصديق الحميم الوفى؟!!!