تأملات
فى منتصف التسعينيات تقريبًا، أى منذ نحو ربع قرن، أصدرت كتابًا عن دار «الغد العربي» تحت عنوان «آليات الاختراق الإسرائيلى للمنطقة العربية». حاولت فى هذا الكتاب رصد ظاهرة التطبيع الجارية فى العلاقات العربية مع إسرائيل والتى كانت من فرط تطورها يطلق عليها فى ذلك الوقت «الهرولة» والتى تفيد الإسراع فى الخطى بمعدل أعلى من الطبيعى، وهو لفظ كان مناسبًا نظرًا لحجم التسابق العربى- إن صح التعبير- على الانخراط فى علاقات شاملة مع إسرائيل سواء كانت سرية أم علنية. حتى أن الأمين العام لجامعة الدول العربية الراحل عصمت عبدالمجيد راح يعرب عن أسفه للهرولة تجاه إسرائيل، فيما أنها هى يجب أن تهرول!
عملت فى هذا الكتاب على تقديم رصد وتحليل شاملين لتلك الظاهرة فى شكل دراسة موسعة تمثل مرجعًا لمن يحاول أن يتطرق أو يلم بأبعادها. ورغم أن الكتاب يعتبر بمعايير اللحظة الحالية كتاب «متحفي»، أى يصلح أن يوضع فى متحف للكتب، باعتبار قدمه وأن ما يعرض له من أحداث أكل عليها الزمن وشرب، وأصبحت فى عداد «التأريخ» لظاهرة التطبيع، إلا أنه يبقى فى جوهره التحليلى قائمًا، إن لم يعبر أفضل تعبير عما نعيشه فى زماننا. ولأن الهرولة أذهلت العدو قبل الصديق فمن هنا كانت محاولة «فرملتها» من خلال دول المركز العربى وهى مصر وسوريا- التى كانت- والسعودية فى قمة عرفت بقمة «وقف التطبيع». وأذكر هنا عبارة قالها يوسى بيلين نائب وزير الخارجية الإسرائيلى آنذاك كانت من بين تلك التى صدرت بها الكتاب يعلق خلالها على هذه القمة بين الرئيسين مبارك والأسد- حافظ وليس بشار- والراحل الملك فهد قال فيها «إن قمة الإسكندرية محاولة للاحتفاظ بالجياد داخل الإسطبل فى حين أنها هربت منه منذ زمن طويل»، فى إشارة إلى أن العقد العربى قد انفرط- ومن المؤكد أنه ما زال ينفرط- فى سكة قد تصل لحد قيام إسرائيل على تجميعه!
وبرغم الوقع السيئ لتلك العبارة عليّ أنا شخصيًا فإن دلالة إيرادها وتصديرها آنذاك وربما الآن وفى كل وقت أن الإسرائيليين ربما يعرفون- بل من المؤكد أنهم يعرفون- أكثر مما نعرف، وهو أمر يعززه إشاراتهم التى يصدرونها بين الحين والآخر كشفًا لمساعى هذا الطرف العربى أو ذاك للتطبيع معهم من وراء ستار أو من تحت ترابيزة، فيما نحن نحاول أن نكذب أنفسنا وأعيننا فى محاولة لإيهام ذواتنا بأن «العدو» الذى أصبح صديقًا يحاول أن يوقع بيننا ويوغر صدرونا تجاه بعضنا.
فى هذه الفترة كنت أعمل فى السعودية، حيث أنجزت الكتاب، وكان يطلق فى المملكة على إسرائيل «الكيان الصهيوني» رفضًا حتى على مستوى الحديث للاعتراف بأن هناك دولة اسمها إسرائيل! وهو موقف سعودى، نحمد الله على أنه ثابت حتى الآن.. حتى الآن، رغم المساعى والضغوط من هنا ومن هناك لجر المملكة- الجائزة الكبرى- إلى تلك الحلبة.. حلبة التطبيع!
فى محاولتى لتحديد الآليات التى لجأت إليها إسرائيل للتطبيع ودمج ذاتها فى المنطقة مع احتلال مرتبة القيادة لنظام إقليمى على غرار قيادة الولايات المتحدة للنظام الدولى أشرت إلى بعضها ومنها مفهوم الشرق أوسطية الذى ازدهر فى ذلك الوقت على يد مهندسه الراحل شيمون بيريز الذى شغل منصب رئيس وزراء إسرائيل- ثم الرئيس فيما بعد- ولعب بدهاء دورًا يحسد عليه فى التسويق لهذا المشروع، وكذلك البنك الإقليمى للتنمية والمفاوضات متعددة الأطراف وغير ذلك وهى الآليات التى تقدم بدائل لها فى وقتنا الحالى منها صفقة القرن ونظيراتها من المفاهيم اللقيطة التى يتم تزيينها لكى يسهل للقادة العرب وبالتبعية المواطنين العرب ابتلاعها دون حتى قليل من الألم أو الضيق لفرط مرارتها! وكان من المواقف بالغة الدلالة آنذاك رفض الإمارات لمساعى التطبيع الأمر الذى بدا واضحًا فيما أعلنه وزير تجارتها تلك الفترة من رفض فكرة السوق الشرق أوسطية باعتبار أن السلام لا يفرض الدخول فى اتفاقات جاهزة للتنفيذ ومفروضة!
فى معرض تفسير الهرولة أو التطبيع الذى كان وما زال هناك عبارة كلاسيكية تفيد بأن إسرائيل هى البوابة الملكية للوصول إلى قلب القابع فى البيت الأبيض، وأن خطوة مثل تلك قد تكون وسيلة لإنقاذ رئيس أمريكى يواجه مشكلة احتمال عدم انتخابه، أو لكسب تأييد الولايات المتحدة لنظام الحكم فى الدولة العربية التى تقدم على التطبيع فى ظل مشكلة تواجه استقرار الحكم فيها. كما سوقت بعض النظم بأن التطبيع بالانخراط فى السوق الأوسطية أو ما يشابهها يمكن أن تكون ثمنًا للسلام وتحقيق المطالب العربية، غير أن إسرائيل بعد أن حققت هدف التطبيع مع تلك الدولة أو ذاك لم تفِ بوعودها وخرج الفلسطينيون بخفيّ حنين! وليكونوا بذلك البضاعة التى تمت المتاجرة بها من قبل المطبع- بكسر الباء والمطبع- بفتح الباء- معه!
التطور الذى أسعدنى وجعلنى أحرص على إلحاقه بالكتاب رغم الانتهاء من إعداده أن ظاهرة الهرولة بدأت تتحول فى الاتجاه العكسى بفضل تولى حكومة الليكود برئاسة نتنياهو الذى اتهم فى إسرائيل بإفساد علاقات بلاده مع الدول العربية. غير أن المفارقة التى تحزننى أن الرجل يجاهد على مدار ربع قرن من أجل إصلاح ما أفسده.. ومن المؤكد أنه قد نجح!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض