تأملات
من بين أساتذتى الذين لا أستطيع نسيان فضلهم فى مسيرتى الدراسية الأستاذ الدكتور محمد السيد سليم رحمه الله والذى كان له الفضل فى زيادة سعة فهمنا لأبعاد موضوع السياسة الخارجية للدول من خلال تدريسه لنا ذلك الفرع المعرفى الجديد – فى بداية الثمانينيات – من فروع العلوم السياسية.
ربما يكون من بين النقاط الأساسية التى قضى عليها الدكتور سليم فى محاضراته تلك المتعلقة بالفهم الكلاسيكى لماهية السياسة الخارجية وأنها ليست سوى وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسى فى الخارج الذى كانت النسبة الأكبر منا تحلم بالالتحاق به بعد التخرج، فهى مفهوم وحقل دراسى أبعد من ذلك بكثير لا تمثل «الخارجية» كوزارة منه سوى شق واحد رغم أنه الشق الرئيسي. وفى شرحه للشق العملى للسياسة الخارجية ركز على أدواتها باعتبار هذه الأدوات تمثل الساحة التى تسعى من خلالها الدولة لتحقيق أهدافها.
دون الخوض فى تفاصيل كثيرة فقد كان مما يثير الانتباه والدهشة تعدد أدوات تلك السياسة لتشمل مجالات ليس للسياسة أى صلة بها، وأنه إذا كانت المفاوضات تمثل المظهر الأساسى لتعاطى الدولة مع قضاياها مع العالم الآخر، فإنها ليست الأداة الوحيدة وإنما تصحبها أدوات عدة . من بين هذه الأدوات الأداة الاقتصادية والتى يمكن من خلالها التأثير على الخصم وتغيير سلوكه، الى جانب الأداة الاستخباراتية فضلا عن الأداة الإعلامية بما تتضمنه من جانب يشمل الأداة الدعائية والتى يعبر عنها أحيانا بالحرب النفسية. ليس ذلك فقط بل إن الحرب ذاتها بما تتضمنه من أعمال عسكرية سواء تم القيام بها بالفعل أو التلويح بالقيام بها تعتبر من أدوات السياسة الخارجية، فقد تستخدم الأداة العسكرية كأداة للهجوم أو الدفاع أو حتى الردع، فالحرب والدبلوماسية صنوان، فكل حرب لا بد أن تواكبها مفاوضات فى أى مرحلة من مراحلها. وأبرز مثال على ذلك حرب أكتوبر التى كانت فى منظور السادات جزءا من عملية التفاوض مع إسرائيل باعتبارها حرب «تحريك» لا «تحرير».
على خلفية هذه الدراسة التى حكمت نظرتنا لما نراه على أرض الواقع يمكن التأكيد فى حدود متابعة ما تجرى عليه السياسات الخارجية للدول أن صانعى هذه السياسات يحرصون على المزج بين أدواتها حسب مقتضيات الواقع وعدم الاعتماد على أداة واحدة أهمها المفاوضات. إذا أردت أمثلة من الواقع ومن الواقع المصرى تحديدا والذى تشهده بأم عينيك فى الفترة الحالية فإنه بعيدا عن الحالة الاستقطابية وانطلاقا من محاولة رصد موضوعية نقدم لك المثل الليبى والسياسة الخارجية المصرية تجاهه. فمن الملاحظ أن أداة التفاوض ربما لم تختبر، وأن الأداة العسكرية للردع استخدمت على أفضل ما يكون، حيث عبرت مصر على لسان الرئيس السيسى عن موقف محدد بشأن الصراع فى ليبيا يتمثل فى تحديد خط أحمر للخصم (التركى وتابعه حكومة الوفاق فى طرابلس) لن تسمح بتجاوزه هو سرت – الجفرة.
بعيداً عن تشابك وتعقد الأزمة الليبية على نحو ما شرحنا فى مقال سابق لا يمكن إنكار أن هذا الموقف - والذى صحبه مناورات مصرية تصور معها العالم أن الحرب فى ليبيا أصبحت وشيكة - كان له أثره فى ردع الخصم وربما إعادة النظر فى حساباته بما غير على الأقل حتى اللحظة الحالية من معادلة الصراع فى ليبيا.
خذ مثالا آخر يستحوذ على اهتمام قطاع كبير من المصريين وهو أزمة سد النهضة. لقد اتبعت مصر فى هذه الأزمة النهج المتعارف عليه فى ممارسة السياسة الخارجية وهو الانخراط إلى جانب السودان فى مفاوضات مع إثيوبيا. وربما كانت الملحوظة الأساسية لدى المهتمين بمسار هذا الملف هو استئثار المفاوضات بالشق الأكبر وربما الوحيد من أدوات السياسة الخارجية. الملحوظة الأخرى أن هذا النهج رغم طول الفترة الزمنية للتفاوض والتى تجاوزت ست سنوات لم يؤت أكله. ولذلك فإن وزير الخارجية سامح شكرى كان لديه من الوضوح والصراحة ما يجعله يخرج على العالم مؤكدا فشل المفاوضات فى ضوء ما أسفرت عنه جولة واشنطن فبراير الماضى والتى تتمسك مصر بمخرجاتها فيما رفضتها إثيوبيا.
وقد كان شكرى برؤاه الثاقبة واضحا فى التأكيد على أن الاجتماع الذى كان مقررا فى نهاية فبراير آخر جلسة مفاوضات ربما فى انعكاس لقراءة صحيحة منه لطبيعة المواقف الإثيوبية على مدار سنوات التفاوض. غير أنه بناء على مقترح سودانى تم التغاضى عن هذه الرؤية والانخراط فى جلسات مفاوضات أخرى كان مصيرها الفشل، وهو الفشل الذى كان سمة مفاوضات الاتحاد الإفريقى بفعل التعنت الإثيوبي. ورغم أن المفاوضات ربما يكون تم استئنافها وقت قراءة هذه السطور، بعد تأجيلها أسبوعا بناء على طلب السودان فإنه ترد ملحوظة أساسية فى هذا الصدد تتعلق بعدم وجود ما يمكن اعتباره مفاوضات «سرمدية» فى إدارة الدولة لسياستها الخارجية، وهو الأمر الذى قد يفرض البحث فى استخدام الأدوات الأخرى والتى تبدو مرفوضة لأسباب قد لا يكون من المحبذ طرحها، وفقا لصانع السياسة، من منظور المصلحة القومية!
فهل يفرز واقع هذه المفاوضات منطقا يفرض التعامل مع الأزمة بالمنظور الطبيعى لمفهوم السياسة الخارجية وهو تعدد الأدوات وعدم اقتصارها على أداة وحيدة؟ هذا ما نأمله لخير مصر والمصريين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض