رؤى
لظروف صحية لم أتمكن من قراءة هذا الكتاب بشكل متواصل، وكنت أقرأ بعض الصفحات وأتركه حتى تتحسن حالتى وأعود إليه مرة أخرى، فمن الصعب تجاهله أو عدم الإلمام بما دونه توماس راسل، صحيح ان الرجل انجليزى وكان يعمل فى وزارة الداخلية حوالى 44 سنة منذ 1902 وحتى سنة 1946، وصحيح أنه لم يتناول الوضع السياسى فى مصر خلال هذه السنوات، لكن لمذكراته أهمية بالغة يدركها الباحث فى تاريخ مصر الاجتماعى، وهذه الأهمية هى التى دفعت الكاتب والأديب مصطفى عبيد، الذى أفخر بزمالته لسنوات فى جريدة الوفد، إلى ترجمته، وللانصاف نحن نحسد كاتبنا ومترجمنا على ترجمة هذه المذكرات، ولا نعرف كيف التقطها وقرأها وعكف على ترجمتها والدفع بها إلى قراء العربية بعد صدورها فى طبعتها الإنجليزية الوحيدة بـسبعين سنة.
أهمية حكايات توماس راسل فى أنها تسلط الضوء على مجتمعنا خلال فترات مصر الحديثة، بحكم وظيفته الشرطية، رصد لنا حركة الحياة الدنيا فى المجتمع المصرى، هذه الحكايات نقلها لنا كاتبنا مصطفى عبيد بلغة على قدر كبير من السلاسة والبلاغة.
توماس راسل عرف مصر وأحبها من حكايات ابن عمه « بيرثى ماتشيل»، فى سنة 1901 زار بيرثى منزل عمه، وكان يومها عائدا توه من مصر، بيرثى كان يعمل مستشارا لوزارة الداخلية فى مصر، بعد خدمة طويلة فى الجيش المصرى، حكاياته عن مصر شدت انتباه توماس، فدعاه بيرثى لقضاء عطلة الشتاء فى مصر، وكان أيامها فى نهاية دراسته بكامبريدج، ولبى الدعوة وسافر إلى القاهرة وقضى ستة أسابيع بها، وفى القاهرة حسم توماس أمره وقرر العمل فى الشرطة المصرية.
وبدأ حياته العملية القاهرة فى أكتوبر 1902، من مستودع خفر السواحل فى المكس بالإسكندرية، وكان مقرها بقلعة المكس المعروفة بالشفاخانة، حيث تم تدريبه مثل اى عسكرى مصرى، وكان جوردون موريس بك مأمور المستودع آنذاك. وكان عمله بخفر السواحل يتمثل فى منع التهريب عبر البحر والبر، وبشكل خاص تهريب الحشيش.
توماس يحكى لنا أن مخدر الحشيش كان المفضل لدى معظم المصريين من الطبقات الدنيا، وكان يتم إنتاجه فى اليونان، حيث كانوا يزرعون نبات القنب فى مساحات واسعة باليونان، وكان المخدر يستخرج من الزهرات الأنثوية لذلك النبات، وكانت بعض الكميات تهرب عبر طواقم البواخر الراسية فى الإسكندرية وبورسعيد، والكميات الأكبر كانت تسلم فى مدينة طرابلس الليبية وتهرب عبر الصحراء مع البدو إلى وادى النيل، وكان لخفر السواحل فيلق الجمل للتصدى للتهريب عبر الصحراء، وكان جنودها من السودانيين، وكانت تباع كميات الحشيش المضبوطة بواسطة جمارك الإسكندرية.
حكايات توماس راسل حكمدار القاهرة، التى ترجمها أديبنا وكاتبنا الجميل مصطفى عبيد، شيقة وتغوص بك فى قلب الفئات الدنيا بالمجتمع المصرى ابان فترات العشرينيات وحتى الأربعينيات، ترسم لك صورة حية لهذه الفئات وللمجتمع ككل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض