ضوء فى آخر النفق
التاريخ زمان كان له «شنة ورنة»! نتعلمه ونقرؤه ونسمع حكاياته فى حواديت جدتى وعلى مصطبة جدى، قبل أن نتعلمه فى المدرسة أو نقرؤه فى الكتب أو من خلال المبدعين الذين ألهبوا وجداننا بقولهم: الأمة التى لا تعرف ماضيها لا تعرف صياغة مستقبلها». وذات تجلٍ قال المنفلوطى: «لا عزة لقوم لا تاريخ لهم». التاريخ هو ذاكرة الماضى وأرشيفه السرى وسلاحه الخطير.. وهو يخبرنا بالطرق التى تقدم بها الإنسان، ومراحل التطور فى الفكر والفلسفة والعلوم!
حتى سنوات قريبة كان الإنسان يعمل ألف حساب لـ«التاريخ»! للسمعة.. للأثر الذى يتركه. كان يحافظ بكل قوته على نصاعته.. وربما يلجأ للأوهام واصطناع التاريخ، أو تجميله ولا نقول تزويره. فتاريخ الإنسان بزلاته وأخطائه يمكن أن يتسبب له فى كوارث. قد يحرم ابنه دخول الكليات العسكرية، قد يطيح به من عيون أقاربه أو جيرانه.. قد يلازمه كعقدة فى حياته إذا كان متعلقاً بفقر أو ما شابه فيقضى حياته معقداً! ولأن تاريخ الإنسان العاطفى والمعيشى ملىء بالثقوب فقد يدفعه إلى ما لا تحمد عقباه، لكل هذا اكتسب التاريخ أهميته الكبرى.. وظل حتى وقت قريب «بعبع» يصيب بالذعر، وقيل «التاريخ مبيرحمش»!
أخطر استخدام للتاريخ المعاصر كان من قبل الأستاذ هيكل، وقد أورد فصلاً كاملاً بعنوان «سلاح الأرشيف» فى كتابه الأشهر عن السادات (خريف الغضب)، واستخدم فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة نفس منهج هيكل- الأرشيف– ضده وبحث له عن الاتهامات المؤرشفة فكالها له واحداً تلو الآخر، هذا السلاح تحول فى عصرنا الحديث من مكتوب إلى «سيديهايه». وتباعاً ولكثرة ما نشر من «سيديهات» بالصوت والصورة تحول إلى طلقات فشنك لكثرة «الرطرطة»، فالسيديهات باتت متبادلة.. ولم يعد يخشاها أحد و..«لاتعايرنى ولا أعايرك الهم طايلنى وطايلك»!
لننظر إلى أغلب العائلات، سنجد أن تاريخها تعرض للاندثار، مع رحيل رموز كانت كلمتهم «مابتنزلش الأرض أبداً»، الأجيال الجديدة فقدت اهتمامها بكل هذا.. حتى فى الانتخابات أصبحوا يعتمدون على القوة المالية أكثر، وأعضاء الحزب الوطنى السابقون الموصومون بعد الثورة، لم يعودوا يجدون حرجاً من الترشح. فقد تغيرت الأمور لصالح قيم أخرى ومحددات مختلفة. قد يبقى الأمر فى إطار وظائف مرموقة فى القضاء والطب والهندسة، لكن إجمالاً إذا أخذنا مثالاً من اللعبة التى تمسك بألباب الناس فى هذا العصر وهى كرة القدم، سنجد أن اللاعب النموذج لم يعد صالح سليم أو الخطيب، وإنما الحضرى وعبدالله السعيد! بل إن المطربين الكبار تغلبوا على ذعرهم من النقد الفنى وتجرأوا وغنوا فى الأفراح والفنادق!
بينوشيه وسالازار وفرانكو وهتلر وموسولولينى كانوا يكتبون تاريخهم المشين على وقع انتصاراتهم دون خوف وفقاً لقاعدة التاريخ يكتبه المنتصرون، واعتقدوا أنهم بمنأى عن الحساب، لكنهم وبعد انتهاء عصر الجماهير الغفيرة وبدء حساب التاريخ شيعوا إلى مزبلته، اليوم لا أحد يعبأ كثيراً بأنه سيخضع لتقييمه أو بإلقائه فى مزابله.. التاريخ يبدو كأنه «ذهب مع الريح».. حتى إن دولاً تحاول التنصل منه.. وإثيوبيا نموذج صارخ أمامنا، فهى تخشى تكرار تجربة مفاوضاتنا الدولية لانتزاع أحقيتنا فى «طابا»، وتصاب بالأرتكاريا كلما ورد ذكر مجلس الأمن الدولى، وتأمل أن تنسف التاريخ حتى لا تلتزم باتفاقيات تاريخية تعترف بحقوقنا المائية!