الصراع أصل الحياة وربما ما قبل الحياة.. آدم وحواء دخلا فى صراع ضد قوى لا تحتمل فكان عقابهما انزالهما إلى أرض لم تعرف من لحظتها على يد الانسان إلا القلق والدم والدموع.. وعلى مدى التاريخ الانسانى كله فإن أى سلام ليس سوى هدنة بين حربين، ولذلك تسرع الرئيس السادات عندما قال إن حرب أكتوبر آخر الحروب لأن حالة السلام مع اسرائيل قد تستمر عقودا قادمة ولكن حتمية التاريخ تقول إن أى سلام بنى على ضغط المصالح وخلل موازين القوى ينهار بمجرد تغير الظروف التى قام على أساسها.. أول خبر صحفى فى تاريخ الوجود الانسانى كان خاصا بصفحة الحوادث عندما قتل قابيل أخاه هابيل.. الحرب اذن سابقة على الحب والسلام.. فى «فجر الضمير» للأمريكى جيمس هنرى بريستيد (27 أغسطس 1865–2 ديسمبر 1935) وفى «قصة الحضارة» للأمريكى العظيم أيضا وول ديورانت قالا إن الحب كغريزة عرفه الانسان بالاحتياج المادى لأنه كان فى البدء منزوع المشاعر.. وبدأ الانسان يفكر قبل قتل أخيه أو جاره فى الكهف فى الضرر المادى الذى سيقع عليه إذا خرج للصيد غدا بدون صديقه هذا فقد تأكله الوحوش الضارية وهو وحده بلا ظهر يحميه وينبهه، ومن هنا كان مولد فجر الضمير والنبتة الأولى للشعور الانسانى بأهمية الحياة.. وأعتقد أن ولع المصرى القديم بالبحث فى الموت لم يكن خشية من الموت بحد ذاته بقدر ما كان أملا فى حياة أخرى لا تنتهى بعد هذا الرحيل المؤقت.
فى الآونة الأخيرة يتحدث الناس كثيرا عن الحرب، وتسوقهم المشاعر الوطنية إلى التهليل لأى نفير رغم أن من سيكونون وقودا للحرب ليسوا هم من يهللون لاشعالها.. الحقيقة اننا فى زمن لا تستطيع فيه أقوى دولة فى العالم أن تحسم حربها مع أى دولة مهما بلغ ضعفها حسما كاملا وقاطعا.. أمريكا تورطت فى حرب فيتام وخرجت منها مهزومة ومفضوحة، وتدحرجت للأرض الأفغانية منذ عام 1979 فتاهت بين جبالها واستطاعت عمائم طالبان أن تجبر الكاوبويز الأمريكى على التفاوض معها واحترام ما تحت العمائم من رؤى. ومن نفس العام 1979 وأمريكا فى مواجهه مع ملالى إيران وبعد واحد وأربعين عاما من الحرب الخفية والحصار العلنى على إيران ازدادت طهران قوة ونفوذا بالمنطقة وتحولت من شرطى أيام الشاهنشاهية إلى أحد جنرالات الإقليم الشرق أوسطى..
سيظل هنرى كيسنجر أهم مفكر سياسى فى تاريخ أمريكا منذ اعلان استقلالها 4 يوليو 1776، ومن أهم العقول الاستراتيجية فى العالم التى مهدت لنهاية الحرب الباردة ووضعت قواعد العالم أحادى القطبية.. فى رسالته للماجستير والتى جاءت فى خمسمائة صفحة وكان موضوعها عن محاولة «مترنيخ مستشار النمسا العتيق» و«كيسلرى» وزير خارجية بريطانيا لاقامة سلام المائة عام التى استمرت فى أوروبا بعد هزيمة نابليون فى معركة واترلو 18 يوليو 1815 حتى قيام الحرب العالمية الأولى 1914.. كتب كيسنجر» إن أكثر العصور بحثا عن السلام هى أكثرها قلقا، وأنه ليس هناك انفصال بين الدبلوماسية والقوة المسلحة لأن الدبلوماسية ليست مباراة على مائدة المفاوضات بين رجال مهذبين، وإنما هى حوار بين مصالح متعارضة تستند كل منها إلى رادع حقيقى يحميها ويفتح طريقها، وأن هناك زواجا بين الدبلوماسية والقوة المسلحة، وليس بينهما طلاق».
استدعاء هذه التصورات والأفكار الآن ومصر مشدودة بين أزمتين، واحدة فى حلقها تهددها بالعطش، والأخرى فى جنبها الليبى تحاول جرها إلى قتال لا هدف من ورائه إلا انهاك مصر والمصريين واستنزاف طاقتهم ثم الانفراد بهم ساعة تقسيم الغنائم بين الكبار الذين يغذون النار من وراء المحيطات أحيانا.. أهم ما يجب أن تتسلح به مصر الآن الارادة السياسية الصلبة على اعتبار انه لا فائدة من أى قوة مسلحة لا تعززها الارادة السياسية والتى بدونها - كما يقول كيسنجر نفسه - تتحول القوة إلى مخزن سلاح.. وفى تعاملنا مع أزمة السد أو أزمة الجار فإنه من الضرورى أن يرى الطرف الآخر وبوضوح حجم ارادتنا قبل أن يرى حجم قوتنا.. المطامع التركية سافرة، وحكومة الوفاق بلا أى سراويل سياسية، وأوهام التاريخ فى عقل أردوغان أقوى من قدرته على التفكير كسياسى.. مصر لن تكون الصيد الثمين الذى تحدث عنه البعض فى وقت ما، وإنما المقدر لها بصفحات التاريخ أن تكون دوما المصيدة التى تنتهى عندها قصص كثيرة لوحوش وفئران.