سلالم
من منكم لم يصطدم بهم؟ العابسون دوماً، والكارهون للمدنية، والناظرون بكراهية شديدة لكل آخر، الذين يحولون حياة الناس إلى جحيم فى جحيم.
تراهم حولك يميناً ويساراً، يبدون أتقياء ويتظاهرون بالتدين، لكنهم يمارسون وصاية قاهرة ينفثون من خلالها معاداة سامية للحداثة والتحضر.
إننى أعزو كثيراً من التخلف والفقر والتراجع فى التنمية فى البلدان ذات الأغلبيات المسلمة إلى الفهم المغلوط للدين والنظرة القاصرة للدنيا.
منذ خطت أقدامنا على الأرض ونحن نسمع أحاديث مكررة عن فتن الدنيا، ومحبة الله للفقراء وحدهم، وتأخر المؤمنين الأغنياء فى دخول الجنة، وتخلى بعض الصالحين عن ثرواتهم ليحيوا فى ضنك وتقشف.
إن التراث الإسلامى ملىء بفخاخ من التواكل، والكسل، وتقييد النجاح بدعاوى القناعة وإلقاء كل نجاح أو فشل على شماعة القدر والمكتوب.
كل هذا فى ظنى لا علاقة له بالإسلام ولا بالمسيحية ولا بغيرهما من الأديان السماوية، التى جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الظلم إلى العدل، ومن الفقر إلى العيش الهانئ، تذكروا قوله تعالى: « فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا».
تحت لافتات الزهد المتطرف توقفت كثير من الأيدى عن العمل، وباسم التوكل على الله سكنت كثير من النفوس عن السعى نحو الرزق، وبعبارات الإرهاب والتخويف من الثراء رضت عقول عدة بما لديها من مال ولم تسعَ إلى مضاعفته أو زيادته أو تشغيله. وكان النتاج المر لذلك أن شعوبنا العربية والإسلامية لم تبتكر ولم تتطور ولم تقدم ما يفيد البشرية علماً أو اقتصاداً أو فكراً.
قبل عقود خلت كان الشيخ محمد الغزالى رحمه الله يجلس على شاطئ المتوسط فى إحدى المدن الساحلية بالجزائر، عندما لفت نظره صياد بسيط يصطاد السمك فى صبر وطمأنينة، نظر إليه بإمعان، ولاحظ أنه بعد ساعة زمن اصطاد سمكة كبيرة، فوضعها فى حقيبته وقام واقفاً ليعود إلى منزله، اقترب محمد الغزالى من الرجل، وقال له: لماذا تنصرف؟ رد الرجل: لقد حصلت على رزقى وهو يكفى لليوم، فقال له الغزالى: أنت تصنع رزقك، ما ضرك لو جلست ثلاث ساعات أخرى، واصطدت ثلاث سمكات وبعتها وكان رزقك أكبر.
إن السعى وراء المال ليس عيباً، وينبغى ألا يكون، وحلم الثراء ليس جريمة، وإذا كان بعض الجهلاء يدعون أن الثراء جريمة، والمال ابتلاء، والمكسب فتنة، فاللهم قنا شر هؤلاء، وامنحنا القدرة على أن نحسن قراءة ديننا الذى انكمش بين من يرون الدين جهلاً، ومن يرون الجهل ديناً.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض