خارج السطر
سألت أهل المعرفة عن أكبر مفكر مصرى فى زماننا، فقالوا لى متفقين: عبد الجواد ياسين.
وحكى لى الصديق أحمد سالم أستاذ الفلسفة النابه أنه ذهب يوما إليه وقال له أريد أن أتعلم منك. وقال لى أستاذ فلسفة آخر هو الصديق الدكتور أشرف منصور إن مشروع عبد الجواد ياسين لتفكيك الفكر المتطرف هو أقوى طرح فى الإصلاح الدينى حتى الآن.
أعرف أن كثيرين لا يعرفون الرجل، لأنه لا يطل عبر الفضائيات، ولا تفرد له الصحف صفحاتها، ولا يُضيع هو دقيقة على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن مَن قرأوا كُتب «الدين والتدين»، «السلطة فى الإسلام»، و«اللاهوت» يعرفون قيمة هذا المفكر الموسوعي، الذى لم تلتفت له سوى حكومة تستشرف المستقبل مثل حكومة دبى فاختارته مستشارا لها.
المفاجأة أن هذا الرجل بدأ تكفيريا، مناقضا للتعددية، ومُناصرا للإرهاب الديني، ثُم غيّر رأسه وجدد فكره ليُقدم أعظم مشروع مُناوئ للإسلام السياسى مُذ ابتلينا به.
الرجل لمن لا يعرفه مواليد مدينة الزرقا بدمياط سنة 1954، درس الحقوق، وتخرج وكيلا للنيابة محققا رغبة والده فى أن يكون قاضيا، لكنه كان مُفعما ومسكونا بأفكار سيد قطب التكفيرية، حتى إنه كتب كتابا بداية الثمانينات بعنوان «مقدمة فى فقه الجاهلية المعاصرة» حكم فيه بكفر مَن يحتكمون لقوانين مدنية. وكان الرجل يُبدى تعاطفا شديدا مع المتطرفين فيُفرج عنهم عندما يعرضون كمتهمين أمامه، ووصل به الأمر فيما بعد أن قدم استقالته من القضاء لأنه لا يشرفه العمل فى النظام الجاهلي.
اختفى الرجل سنين، قرأ وفكر ودرس وتعمق وشعر أن الدنيا أرحب من سيد قطب، والمودودي، راجع كانط، حلل كتابات دوركايم، تعرف على الفلسفة الغربية، تدارس الفكر التجريبي، وذاكر صعود وأفول الكنيسة الغربية، ثُم أعاد قراءة التاريخ كله ليتعلم ويتفقه. بعد سنوات وصل إلى قناعة نهائية مفادها أن حركة الإخوان المسلمين التى بدأت فى مصر نهاية العشرينيات، هى المسئولة أمام الله والتاريخ مسئولية كاملة عن تشوه الدين وتشويه صورته، لأنها قسمت الأمة إلى قسمين، والإسلام إسلامان، واستدعت أفكار الأصولية الأولى الموجودة فى النظام التاريخى لتطرحها باعتبارها دين الله، ومراده من العباد.
ويذهب الرجل فى كتابه «السلطة فى الإسلام» إلى أن الحركات والجماعات الإسلامية خربت العقل المسلم عندما اعتبرت السياسة متعلقة بالدين أو هى جزء لا يتجزأ من الدين، فيما غيب التاريخ الرسمى اللمحات العقلية المتمثلة فى تيار المعتزلة وابن حزم وغيره. وفى تصوره، فإن السلطة لم تتشكل من خلال النص، وإنما تشكلت من خلال التاريخ، ليس ذلك فحسب، بل إنّ تاريخ السلطة قد أدّى دورًا فى تشكيل النص.
وهو يرى أن تيارات الإسلام السياسى ستزول لا محالة، وأن حركة «داعش» تمثل الفصل الأخير من فصول تمدد الأصولية، لذا فإنها أكثر توحشا.
أعجبتنى اللغة والأسلوب والدقة والجرأة والعمق لدى الرجل، فبحثت عنه واستأذنته فى زيارة زادتنى محبة وإعجابا له. قال لى عبد الجواد ياسين إن كسر عُنق الأصولية يتطلب فى نظره دعما كبيرا وواسعا للتدين الشعبى الذى يقف على الضفة المقابلة للمدونة الرسمية للتدين، وهو تدين العوام القائم على الفطرة.
بشرنى الرجل بالخير وزوال الغمة وموت الأصولية المسلحة تحت وطأة تطور البشر. بدا الرجل عالما، زاهدا، طالبا بالإصلاح، وحريصا على الإسلام.
تذكرته على خلفية مناقشات جدلية تزخر بها مواقع التواصل الاجتماعى حول الإسلام السياسي، وفكرت لو كنت أمتلك القرار، لأدرجت كتابى المفكر عبد الجواد ياسين «السلطة فى الإسلام» و«الدين والتدين» ضمن مناهج التعليم الإعدادى فى مصر، فهى كفيلة بقطع الطريق تماما على أوهام الجنة الزائفة.
والله أعلم.
mostafawfdhotmail.com
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض