خارج السطر
يوماً ما أسرني التيه، وقادني الآخرون نحو بحار الكراهية ومستنقعات الحقد. كان ذلك قبل أكثر من ربع قرن وأنا في الجامعة، عندما قرأت بسذاجة الحدثاء كتاب «معالم في الطريق» لسيد قُطب، فرأيت كُل ما حولي جاهلي، وشعرت بأن الناس جميعا على ضلال، وملأني التخبط وشعرت بالعذاب الروحي لأنني قضيت عمري الفائت لا أفهم حقيقة الجاهلية التي تزخر فيها البشرية.
قادني زملاء إلى عوالم أفسح عندما دعوني لقراءة مشروع محمد قُطب شقيق سيد قطب، والذي وصفوه أنه أعمق وأكثر تفصيلا، وكانت كتبه متاحة جميعا ويتم تناقلها من يد إلى أخرى، فقرأت له كتب « هل نحن مسلمون»، « جاهلية القرن العشرين»، « مفاهيم ينبغي أن تُصحح»، و»واقعنا المعاصر» واقتنعت تماما أننا في ضلال وأن معظم الناس كفار لأنهم لا يتبعون منهج الله، لكن يُمكن أن نعذرهم لجهلهم.
أتذكر يومًا أنني أسررت ببعض ذلك لوالدي رحمه الله، فانتابه القلق بشأني ودعاني أن أقرأ لعلماء الأزهر، لكنني من أرضية رفْض الوصاية الأبوية واصلت إبحاري في فكر التشدد والتكفير، فقرأت أبا الأعلى المودودي، حسن الندوي، ربيع المدخلي، ولشيوخ الوهابية لتملأني طاقة كراهية ضخمة للحياة الحديثة، وشعور طاغ بالمؤامرة الكونية ضد الإسلام والمسلمين، مع إيمان عميق بأن محبة الموت هي صفة الأنقياء الذين يحبون لقاء الله، ويسعون إليه.
كنت أعتقد أن القوانين الوضعية هي رفض لمنهج الله، وعدوان على سلطانه بالتشريع، وأن من يحكم بغير الشريعة ـ التي كنت أتصور أنها حدود القطع والجلد ـ كافر بلا جدال ويستحق الاستتابة ثم القتل بعدها، وكانت تدخل في نطاق ذلك الحكومات، الأنظمة، الأحزاب، جماعات المثقفين، ورجال الأمن والمجتمع كله.
انغمست غمسات في مُستنقعات الفكر الضال فكفَرت وكرهت، وخسرت أصدقاء وزملاء أنقياء، وفي عنقي اعتذار عمره ربع قرن لزميلة عزيزة مثقفة ومهذبة مدت إلىّ يدا للمصافحة يومًا ما فرفضتها بدعوى أني لا أصافح النساء.
لكن بلا حادث استثنائي، وبتدريج لم أحدده، وفي ظل شهور قليلة تجاوزت ضلالي بالقراءة، مثلما ضللت بها.
دفعني حب القراءة أن أقرأ العالم المغاير للمتطرفين والمكفراتية، أن أطلع على أساطين الفكر العربي مثل سلامة موسى، طه حسين، وأحمد أمين، أن أزور بساتين الشعر العربي فأحفظ غزليات نزار قباني وتأملات محمود درويش واحتجاجات أمل دنقل، أن أتعرف على غابريال ماركيز وإيزابيل الليندي. عرفت أن العالم أرحب مما نتصور وأن هناك أفكارًا غيرت العالم صاغها غير مسلمين مثل كانط، وماركس، وبوبر.
وكان أفضل ما غسل دماغي إبحاري الممتع في التاريخ الإسلامي، لقد كشف لي ذلك أن التكفير كان سيفا مرفوعا منذ السنوات الأولى على الحاكم لإزاحته، وأن قاتل علي بن أبي طالب هتف في وجهه وهو يطعنه أنه «لا حكم إلا لله». قرأت كيف كفّر الآلاف الخليفة عثمان بن عفان، وسموه نعثلا نسبة إلى شخص يهودي، ومثلوا بجثمانه ورفضوا أن يدفن في مقابر المسلمين. عرفت كيف كانت اللعبة سهلة وبسيطة ليقول أي راغب في السلطة على مَن هو في السلطة أنه لا يطبق منهج الله، وخارج عن الملة ليزيحه. فهمت كيف كان طالبو الحكم يقتطعون آيات من القرآن الكريم ليوجهوها لتأكيد أنهم على الحق وغيرهم على الباطل.
ملأتني القناعة أن الموضوع برمته وهم كبير، وأن الله لم يخلقنا لنكره بعضنا البعض، ويقاتل بعضنا البعض، وإنما لنتعارف ونتعايش ونعمر الأرض، ونملأها خيرًا وخلقًا حسنًا.
برئت من الداء، وصرت أكثر خصومة لكل من يحمل توصيف «إسلامي» متقربًا إلى الله بكل كلمة أخطها في تفكيك أفكارهم.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض