رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

 

بعيدا عن متتاليات الحزن والوجع المتناثرة كمرثيات حولنا، وهروبا من ذرات الخوف الشائعة فى الهواء أمامنا تعالوا نُبحر فى خاطرات عذبة.

إن لكل منا عبارات أثيرة يحفظها، يحبها، يعيش معها منذ الصغر، تؤثر فيه، وتُلح عليه كلما جد أمر أو احتدم هم. ومن بين المأثورات الخالدة أبيات من الشعر كتبها أناس لم نلتقهم رحلوا وتركونا، لكن ما خطته أكفهم اصطبغ بالخلود، وتجاوز الزمان والمكان وبقى مؤثرا فى البعض ربما بأكثر مما كان عليه التأثير لدى القائلين.

أتذكر يوما ما سألت الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم عن أجمل بيت شعر ترك فيه أثرا فقال لى بيت الشاعر المتنبى الذى يقول « وعذلتُ أهل العشق حتى ذُقته/ فعجبت كيف يموت مَن لا يعشقُ» وفكرت فى البيت، فوجدته عميق الأثر رغم بساطته، فأصل العجب أن طعم العشق ألذ وأطيب من أى طعم آخر فى الدنيا، لذا فإن مَن عاش ومات ولم يذقه فقد فاته كثير وكثير.

وأذكر أننى سألت السؤال ذاته للكاتب الراحل حازم هاشم، وكُنت أستمتع بالجلوس إليه والحديث معه، ففكر لفترة ثم اختار المتنبى أيضا وقال لى قوله « كفى بك داء أن ترى الموت شافيا» فهذا رجل يصف اضطراره أن يمدح مَن يكره، ويُخضع موهبته الفذة لحاجة أكل العيش بالموت، ويعترف بأن ذلك داء لا مثيل له.

ويوما قال لى الأديب الصديق مصطفى بيومى إن شاعرا مجهولا فى التراث الشعبى قال شعرا ساحرا لا يُمكن وصف حلاوته، وهو ما ذكره توفيق الحكيم فى «يوميات نائب فى الأرياف» على لسان المجذوب عصفور حين غنى « ورمش عين الحبيب يفرش على فدان»، إذ كيف صاغ الشاعر العبقرى هذا المعنى شديد الروعة، فالفدان هو جنة الفلاح، طموحه، حلمه بالثراء وبالخير، ومعنى أن يرى رمش عين حبيبه كبيرًا لدرجة أنه يتمدد على فدان، فهو لابد رمش ساحر، ولابد أن صاحبه محبوب لدرجة استثنائية.

وفى جلسة طيبة مع صديقى الجميل المبدع الموسيقار والكاتب طارق عباس قال لى إن بشار بن برد هو شاعره المفضل وإن هذا الرجل الكفيف أبدع بشكل ساخر وفذ شعرا تجاوز حدود الزمن، وإنه لا ينسى له بيتين يقولان« عُميتُ جنينًا والذكاء من العمى /فجئتُ عجيب الظنِ للعلمِ معقلا/ وغاض ضياء القلب للعين فاغتدى/ بقلبٍ إذا ما ضيع الناس حصلا.»

أما أنا فإن أحب أبيات الشعر لى وأكثرها رسوخا فى ذاكرتي، والتى كثيرا ما أستدعيها بمناسبة أو بغير مناسبة قول الجميل محمود درويش مخاطبا سميح القاسم « سنكتب لا شئ يثبت أنى أحبك غير الكتابة.» كذلك أكرر كثيرا « على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، و«أرى ما أريد» وغيرها من روائع الرجل الذى ربى ذائقتى وأنعشها.

اكتب ما يعيش معك من مأثورات، واصطبح بها، وتدبر نعمة الذاكرة، والعلم.

والله أعلم.

 

[email protected]