على فكرة
حياة حافلة بالإنجاز، مملوءة بالتحديات الجسام والصعوبات التى تفرضها الضرورات والأخرى التى يتم اختلاقها ، لكنها كانت فى كل المراحل ، مترعة بالتفاؤل والأمل. تلك هى رحلة حياة فارس الأمل «فاروق أبو عيسى « أحد رموز العمل الوطنى والنضال السياسى العربى على امتداد اكثر من ستين عاما .
انتمى فاروق ابو عيسى إلى أسرة ذات تاريخ بارز فى الحركة الوطنية والثقافية السودانية، فوالده كان عضوا فى حزب الاشقاء، الذى ضم القيادات المساندة للتحالف المصرى -السودانى، وصار فيما بعد الحزب الوطنى الاتحادى الذى كان شقيقه عضوًا به، إلى أن اصبح فيما بعد الحزب الاتحادى الديموقراطى ،.كما شكل والده ناديين أحدهما للأدب والآخر للرياضة، ولعب التنوع الثقافى والفكرى فى اسرته دورا فى تشكيل عقليته المنفتحة على كل والتباينات، وهو ما سهل له الانضمام إلى الجناح الطلابى للحزب الشيوعى السودانى وهو تلميذ فى الثانوية. كما كان ضمن الفريق الذى رشحه الحزب الشيوعى للتحالف مع انقلاب جعفر النميرى فى 25 مايو عام 1969 ذات التوجه الناصرى والقومى ، ليصبح فيما بعد وزيرا لخارجية السودان، حتى انقلاب نميرى على الشيوعيين وإعدام قادتهم فى محاكمة هزلية ، وانقسام الحزب الشيوعى السودانى بعد المجزرة التى قادها نميرى ضد قادتهم ، وفى لحظة تشدد أيديولوجى تخطئ فى قراءة صحيحة لحجم النتائج والعواقب ، أصدر الحزب قرارا بفصل أبوعيسى من عضويته .
بدأ أبوعيسى العمل السياسى مبكرا وهو فى المدرسة الثانوية فى النصف الثانى من أربعينيات القرن العشرين ، وفصل منها لقيادته لمظاهرات تندد بالاحتلال البريطانى، وأكمل دراسته للحقوق فى جامعة الإسكندرية ، قبل أن يعود للخرطوم للمشاركة فى ثورة أكتوبر التى أطاحت بحكم إبراهيم عبود، حتى انتخابه منذ العام 1983 أمينا عاما لاتحاد المحامين العرب . لعبت شخصيته الكاريزمية وثقافته الحقوقية والسياسية دورا هاما فى انتشاله من الديجور إلى النور. وعلى امتداد عشرين عاما من رئاسته له، غدا اتحاد المحامين العرب عنصرا حيا وفاعلا فى الحياة السياسية العربية ، ومنظمة تحظى باحترام ومصداقية المنظمات الدولية .
امتلك أبو عيسى من الفضائل الشخصية التى اكتملت بالاستقامة الشخصية والثبات على المبدأ، وقوة الإرادة ،والصبر على المكاره ، واالتمكن من القيادة التى تنطوى على القدرة على بعث طاقة ايجابية فى كل من حوله ، بحفزهم على نبذ اليأس والتخلى عن الإحباط ، وتحمل التضحية من أجل مثل عليا، وهو ما سلحه هو نفسه بجسارة ألا يخشى فى قول الحق لومة لائم ، وصار محطا لاحترام خصومه قبل مناصريه .وكان لمصداقيته ثبات دائم لدى أنظمة الحكم ومعارضيها ، ولدى كل التيارات السياسية العربية على خلاف أفكارها، لإدراكهم اليقينى أنه فى موقعه هذا لا يغلب الحسابات الشخصية الصغيرة على حساب المصالح العامة للأمة والأوطان . حين قاد حسن الترابى نميرى إلى حالة من الدروشة الدينية ، وكتب له قوانين سبتمبر الشهيرة التى يحكم بها قبضته على السوادن تمسحا بالشريعة رفضها شيخ الجمهوريين محمود محمد طه ، ووصفها بنبؤة قال فيها إنها هوس دينى يثير الفتنة ليصل بأصحابه إلى السلطة ، وهو ما حدث بالفعل فى الإنقلاب الذى دبره الترابى وقاده البشير عام 1989.
شكل أبو عيسى لجنة دفاع عند تقديم الشيخ طه إلى المحاكمة بتهمة الردة لمجرد معارضة تلك القوانين ، وساهمت حملة اتحاد المحامين ضد محاكمة طه ومن ثم إعدامه، فى نجاح الانتفاضة الشعبية فى إبريل 1985فى الإطاحة بنظام نميرى .
ومنذ ذلك التاريخ ظل اتحاد المحامين العرب بقيادة فاروق أبوعيسى حاضرا عندما يحتاجه الآخرون ، إلى أن تمكنت مصالح صغيرة من إسقاطه ، ليقف أحد الصغار فى فندق فى بيروت يهتف: تم تحرير الأحاد المحامين من الشيوعين ، وليصمت الاتحاد منذئذ صمت القبور، وليبقى هو بتاريخه الناصع حاضرا ، لأن نوعه من الرجال يموتون ولا يرحلون .
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض