يهون عليكى الفراق من غير وداع كنا متفقين نتقابل تانى لما ارجع من السفر ونزور السيدة ونتعشى عند الرفاعى ونشرب شاى أخضر على قهوة فاروق وتحكى لى باقى نوادر الصبا وذكريات الماضى الجميل. كيف حدث ما حدث؟
اطلت برفق على قلبى المضطرب بأمواج الحزن العاتية بوجه صبوح كتمام البدر تعلوه ابتسامة صافية وعينان رائقتان تشع منهما الطمأنينة ثم همست فى أذنى بصوت عذب يا ولدى ليس لى من الأمر شىء كله بميعاد لما اشتاق قلبى للقاء ربى وأذن لى بالحضور أتى على بساط الحب ملائكة كرام بيض الوجوه، جلسوا بهدوء وسكينة بجوار راسى، نورهم اخاذ حجب كل شئ من حولى فأصبح بصرى اليوم حديداً، رأيت على قدرى عظمة ملكوت ربى تعلقت عيناى بانبهار بهذه الوجوه النضرة المسكونة بالرضا والنور، سلموا علىّ بعطف وود ومعهم كسوة العيد بألوان مبهجة مثل أزهار الربيع، وأحضروا روحاً وريحاناً تسكر من شذاهما النفوس المشتاقة وعندما سكرت روحى ارتعشت مثل عصفور صغير قرر ان يطير من قفص السجن الموحش إلى أشجار الجنان المثمرة، عندئذ فارقت روحى جسدى مثل انسياب المياه من المسقاة، وصعدت إلى بارئها بخفة من يعرف الطريق إلى عليين، ترقص بفرح على سلم من نور يصحبنا أنس موسيقى السماء وتحيط بى زينة عروس تزف إلى رحمة الرحمن، فبرئت على الفور من كل الأسقام والأمراض ولم أعد أتذكر مطلقاً الآلام وعذابات العلاج الهرمونى والكيماوى وهشاشة العظام، بل وصلب ظهرى، واختفى الشيب من مفرق شعرى وكسا وجنتى بهاء ونضارة فتاة تحت العشرين، وكلما مررت بين دروب السماء التقى الأهل والأحباب فهذا أبوك ينتظرنى بالبشر وأمى واخوتى يعلو محياهم الابتسامة وصديقات الصبا بضفائر من حرير يطلقن الزغاريد تيمناً بقدومى.
هنا الجميع يرفل فى نعيم الرحمن ونزعنا ما فى صدروهم من غل وحقد أحباباً متألفين.
يا ولدى لقد خلق القدير الرحمة والغفران من أجلنا نحن العاصين المذنبين، وكفانا اننا صبرنا على أذى الدنيا وتغير الأزمان وان جادلوك ذكرهم بقول ربهم «فما ظنكم برب العالمين»، وأنا أحسنت ظنى بربى قبل سفرى، فغمرنى بحبه ووده وعطفه وقربه، هنا أنهار الرحمة والغفران تفيض بلا توقف أو سدود. فهذا الإله المبدع الجميل الذى اتقن كل شىء خلقه غلبت رحمته عذابه، صدقت يا إلهى «وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم».
عفواً يا أمى لقد صدمنى الرحيل، لم أستطع على ذلك صبراً، يبدو أننى مازالت ذاك الطفل الأنانى الذى يريد ان يبقى أمه بجواره طول الدهر تحرسه من تقلب الأحوال، كان يجب علىّ أن أفكر ولو مرة واحدة فى سعادتها، وأدرك أن ما عند الله خير لها وأبقى.
لا بأس يا صغيرى هون عليك إنها الشفقة التى غرسها الرب فى قلوب عباده. أعلم أنك ستفتقد تدليلى وطعامى وغنائى وقلقى، إنها سنة الحياة اصبر ولا تجزع ولا تخف من شىء، فكل مر سيمر، ولا تخشَ إلا الله، سأظل ملاكك الحارس واقفة فى نفس الشرفة أراقبك كما كنت أفعل دائماً، وأنت تلعب الكرة مع الصغار، ألم يستجب الله دعائى لك، وأنا فى دار الفناء أتشك فى أنه يخذلنى، وأنا فى جوار الكريم.
يا ولدى إنه الله الرحمن الرحيم الذى ربط على قلب أم موسى حتى لا تفزع على وليدها. فهو الذى يعلم معنى أن تكون أم لذا خصنا نحن معشر الأمهات بألا نموت أبداً، ونبقى احياء فى قلوب اطفالنا الكبار.
سلاماً عليكِ يا أمى من رب رحيم يوم ولدتِ ويوم رحلتِ ويوم تبعثين مع الأشهاد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض