سلالم
عالم جديد يتشكل بعد جائحة كورونا غير المسبوقة، غير المتوقعة. مَن كان يصدق أن تهتز اقتصاديات كانت نماذج تحتذى بسبب عدو غريب غير مرئي، مجهول السمات، غامض الحركة؟ من كان يتخيل أن تتغير الأفكار والمخططات الاقتصادية للكيانات الكبرى؟
دول كبرى تهتز، شركات عالمية تتهاوى، أرقام وتوقعات تتبدل، مستثمرون يسقطون، وآخرون يصعدون، وما كان محتملا ومتوقعا صار متغيرا. لا ثبات لشىء.
فشلت المؤسسات الدولية فى توقع الخطر، رسم سيناريوهات له، تقييم أثره، ربما لأن الايمان بالدراسات المستقبلية تفوق لدرجة ولّدت لدى العاملين فيه شعورا طاغيا بتملك اليقين. وربما كانوا يحسبون بالورقة والقلم توقعات كل خطوة، كل حدث، وكل حركة. كانوا يضعون سيناريوهات لكل شىء، لكن لم يكن الفيروس المتفشى فى الحسبان.
إننى أتذكر أن مسئولا فى مؤسسة اقتصادية دولية قال لى إن تنبؤات المؤسسة بشأن المستقبل ليست مُحتملة، وإنما مؤكدة وأشبه باليقين.
أمريكا مثلا لم تكن التقديرات بشأن عجز الموازنة مقلقة، ولم يكن هناك مَن يعتقد أن العام الحالى سيصل العجز إلى 18.7% بقيمة 3.8 تريليون دولار، ورغم ارتفاع الدين العام لم يكن هناك مَن يتصور أن يتجاوز مئة فى المئة.
لقد كان من الغريب أن شركات إدارة المخاطر والتأمين العالمية وضعت خطر التعرض لأوبئة فى بند متأخر لدرجة لفتت أنظار بعض الاقتصاديين الكبار، ومنهم محمود محيى الدين، خاصة أن العالم تعرض قبل سنوات لتحذيرات مُلمحة فى سارس، وغيره.
فى لحظة خاطفة، تجاوز الخطر كل شىء، وارتجت اقتصاديات كبرى، ما يدفع الجميع لإعادة النظر فى دراسات المستقبل النمطية. هناك حاجة ماسة لتأسيس كيانات علمية للمخاطر غير المحتملة، هناك ضرورة للتفكير بعمق فى التحولات غير المتوقعة.
وإذا كنت أعتقد أن تأثرنا بجائحة كورونا لا يقارن بتأثر الاقتصاديات الكبرى ايمانا بالحكمة التى تقول إن الأدوار الأعلى أكثر تأثرا بالزلازل، إلا أننى أعتقد أننا فى حاجة لفتح مجالات أوسع لمراكز أبحاث حقيقية تعمل كمختبرات عقول لصناع القرار فى بلادنا. إننا فى حاجة لوضع سيناريوهات خيالية للتحولات العالمية فى مراكز الأعمال، فى حاجة لبحث تغييرات الخرائط الاقتصادية والاستثمارية وتدفقات رؤوس الأموال، فى حاجة لدراسات جادة عميقة تتناول كل شىء.
صحيح أن لدينا مراكز تضم عقولا معرفية نابهة وواعية، مثل المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، وغيره، من كيانات أنشئت خلال فترة تمدد القطاع الخاص فى التسعينيات وما بعدها، لكنها ما زالت كيانات شبه هامشية وما زال دورها غير مفعل، والاعتماد عليها قد يخضع للمزاجية.
صحيح أن لدينا كيانا حكوميا كان معدا أن يكون مركز بحوث ودراسات احترافيا، هو مركز معلومات مجلس الوزراء، لكن أتصور أن البيروقراطية السارية فى الجهات الحكومية قللت من قدراته وأثرت على استقلاليته المفترضة.
تلك أفكار طرحتها إرهاصات الجائحة.. والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض