رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

عند التمام يبدأ النقصان..حكمة تخدم في السياسة أكثر مما تخدم في الحياة، لأنها تنبئ عن مراحل صعود وهبوط الأمم والممالك.. والسؤال الأقرب للتمنى عند البعض هل سيزحزح فيروس كورونا دولة عظمى منفردة بالقوة والنفوذ عالميا مثل الولايات المتحدة الأمريكية عن قمتها وغرور إفراطها في استخدام القوة بلا حق..؟ بالتأكيد الإجابة بلا، الولايات المتحدة كإمبراطورية كبرى تشكلت وتعاظمت خلال ما يقرب من ثلاثة قرون لا يمكن أن تنهار أو تغرب شمسها فجأة على إثر أزمة قذفت بها الطبيعة  ولم تأت محمولة فوق دبابة.

 ولكن، وهنا مربط الفرس، هل أمريكا كإمبراطورية وصلت الي حالة التمام التي يبدأ بعدها النقصان؟ واذا كان الأمر كذلك فما هي معاني التمام الإمبراطوري الذي يبدأ بعده النزول والتراجع؟.. الحقيقة ان القوانين الحاكمة لقيام الممالك ثم انهيارها بعد قوة ليست جديدة ولا خافية على ذي عقل، ومن يتصور أن هناك قوة مخلدة – فهى هكذا في عقله فقط .. الولايات المتحدة الأمريكية اقتربت من مرحلة التمام الإمبراطوري بتسيدها لحركة الاقتصاد والعلم والسلاح، وقد تقترب من لحظة النقصان إذا استمر افراطها في استخدام القوة بلا وازع من حق أو ضمير إنساني.. الأمر الثاني أن الإمبراطورية الأمريكية هي الوحيدة في التاريخ التي لم تقم على أساس شعب أو وطن أو أمة أو معتقد ديني - مثلا - وكما يشرح ذلك الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه "الامبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق" فإن الامبراطورية الرومانية أو البريطانية قامتا على شعب بعينه، والامبراطورية الاسلامية قامت على جامع ديني وكذلك البيزنطية، والامبراطورية النمساوية أو الروسية  قامتا على أمة بذاتها.

 ويرى الأستاذ هيكل أن الامبراطورية الأمريكية لم تستطع في أي وقت أن تستوعب فكرة الوطنية الموحدة، أو فكرة القومية الجامعة، أو فكرة الرابط الديني الواسع. 

ولأن الامبراطورية الأمريكية صنعتها جسارة المهاجرين اليها من تجار وصعاليك ولصوص وعلماء وتجار حروب ومخدرات وعبيد، فإن كل هؤلاء ركبوا أمواج المغامرة والمقامرة  بحثا عن الحلم المفقود بأرض جديدة تعد الواصلين اليها بالجنة - وهذه الامبراطورية بعد أكثر من ثلاثة قرون من بدايات الاكتشاف الأول لا تزال ترى العالم  من حولها أرضا للمغامرة كلما سنحت الفرصة، تماما كما كان اكتشاف أمريكا فرصة لعالم جديد حتى لو كان ثمن التحول اليه هو  التخلص من السكان الاصليين الهنود الحمر لأرض لم تكن بكرا ولم يمسسها بشر كما تصور البعض. وما بين لحظة الاكتشاف الأولى لأرض الأحلام، ولحظة تسلم أمريكا للإرث الامبراطوري من بريطانيا العظمى 1945 ومكافأة نفسها كأول من استخدام السلاح النووي لمسح مدن ومحو بشر، وصولا  للاحتلال المخزي للعراق وأفغانستان في مطلع الألفية الثالثة،  يمكن رصد مراحل صعود الإمبراطورية الجديدة، ومدى قربها أو بعدها عن حالة «التمام»  الإمبراطوري التي يعقبها بالضرورة بدء النقصان.. الامبراطورية البريطانية بدأ إفلاسها من منتصف القرن التاسع عشر، ولم يكن سقوطها في حرب السويس إلا صفارة لحكم التاريخ بأن المباراة انتهت وهزمت بريطانيا وخرجت من اللعبة ليخلفها  لاعب جديد كان الي وقت قريب يبدو مثل الاحتياطي الاستراتيجي الذي حان وقت نزوله لساحات الأمم ومنازلة الكبار، تماما كعالم الفتوات في أدب كاتبنا العظيم نجيب محفوظ. 

من هذه القراءة شديدة الاختصار قد نلمس أو نعرف أن طبيعة الأمريكيين المعاصرين مثل آبائهم الأوائل، لا يمثل  لهم الوطن رصيدا تاريخيا ولكنه أقرب للرصيد البنكي القابل للزيادة والنقصان.. الامريكي المعاصر وقت الرخاء لا يعرف إلا نفسه، ووقت التهديد فقط يعرف المجموع ( رأي الأستاذ هيكل المطروح بالكتاب المشار اليه ) .. وعودة الي حديث بداية النقصان بعد التمام  أقول: إن زلزال فيروس كورونا قد يكون فرصة لتخلص الامبراطورية الامريكية من قبضة يمين متطرف يعرضها للتآكل بعد تمام استدارة القمر الامبراطوري، وقد تستمر هذه الامبراطورية مخطوفه بيد بقايا مهاجرين خدعهم جبروت القوة، فلم يميزوا بين جسارة التجربة الأولى وحماقة التمام الأخير، وهنا يصبح الموعد مع الغياب بمثابة الحقيقة الباقية أمام الجميع.. وختاما استدعي شعر أبو البقاء الرندي حزينا على الأندلس الضائعة من يد أمراء مسلمين باعوا التاريخ بكؤوس فارغة: 

لكل شيء إذا ما تم نقصان   فلا يغر بطيب العيش إنسان 

 هي الأيام كما شاهدتها دول    من سره زمن ساءته أزمان.