رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

إذا كنا قد تناولنا سابقًا التعاطى السياسى مع قضية سد النهضة، وهو تناول يمكن للقارئ أن يخلص منه بوضوح إلى موقف صاحب هذه السطور، فإن تطورات الوضع فرضت علينا ما يمكن وصفه بنوع من المعالجة غير السياسية للقضية فى إطار سعينا للخروج من أسر الأزمة. ومن واقع ما يجرى سأركز هنا على ثلاثة جوانب تقع فى صلب ما أود الإشارة إليه من معالجات ترد عليها بعض التحفظات وربما لو تم بلورتها بشكل مختلف لحققت آثارًا أكثر إيجابية، تتجاوز ما استهدفه من قاموا بها.

تتمثل أولى هذه المعالجات فى التوجيه الذى اتخذته لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب للحكومة بضرورة إيقاف التعامل مع الشركات العالمية التى تتعامل فى بناء السد والتى لها مصالح فى مصر ومنع أية تعاقدات مستقبلية مع هذه الشركات. فمن المتصور أن هذه الخطوة جاءت متأخرة بشكل قد لا يجعلها تؤتى ثمارها بالشكل الذى يرضى إلى الحد الذى قد يصح معه أن يتم وصفها بأنها خطوة رمزية، ذلك أن الجزء الأكبر من السد قد تم بناؤه، ومن المنتظر أن يدخل حيز الملء، حسب السيناريو الإثيوبى يوليو المقبل، وهو ما يعنى أنه لم يتبق سوى القليل من عمليات البناء حتى لو تواصلت بعد بدء عملية الملء المفترضة! ولك أن تتخيل لو تم اتخاذ هذه الخطوة منذ الفترة الأولى لبناء السد وحجم التأثير الذى كان يمكن أن يتحقق.

من ناحية ثانية فإن مصر فى قطاع البناء تعتبر دولة مصدرة وليست مستوردة، بمعنى أن الشركات العالمية المستهدفة التى قد يكون لنا تعاقدات مستقبلية معها ربما يكون محدودًا إن لم يكن بالغ المحدودية، وعلى ذلك فإن الجهد الحقيقى إنما كان يجب أن ينصرف حتى لو كان متأخرًا على التأثير على الدول الرئيسية الممولة للسد ويتردد أن بينها دولًا عربية ذات علاقات وثيقة معنا، وهو ما كان يمكن أن يصيب أعمال بناء السد بالشلل! رغم أن مثل هذه الخطوة أيضًا تعتبر، لو تم التفكير فيها، متأخرة.

المعالجة الثانية تتمثل فى المظاهرة التى نظمتها الجالية المصرية الأحد قبل الماضى فى الولايات المتحدة أمام البيت الأبيض واستهدفت، حسب أحد المشاركين، توجيه رسالة للولايات المتحدة أو لإثيوبيا بأن أكثر من مائة مليون مصرى على قلب رجل واحد من أجل قضية مياه النيل والذى تعتمد عليه مصر بنسبة 90%.

ومع التأكيد على أهمية مثل هذه المظاهرة، خاصة فى ضوء محورية الدور الأمريكى ورعايته للمفاوضات والتنويه بالشعور بالغ الوطنية للمصريين المشاركين فيها إلى الحد الذى دعا السفيرة نبيلة مكرم وزيرة الهجرة، إلى الافتخار بمثل هذه التظاهرة بالقول: «هما دول المصريين فى الخارج»، إلا أنه من المتصور أن مثل هذا النوع من الفعاليات الوطنية قد يأتى بنتائج أفضل لو أنه انطلق- إلى جانب الولايات المتحدة- من مصر ذاتها، بخروج الجماهير للتعبير عن رأيها بشكل منظم وبترتيبات تحول دون تسلل مخربين أو عناصر غير وطنية (هذا الطرح كان جائزًا قبل تفشى كورونا) ويعزز ذلك، سواء خروج الجماهير فى مصر أو خارجها، الفرضية التى أشرنا إليها فى مقالنا قبل الماضى حول أهمية إشراك الشعب فى الاهتمام بهذه القضية ليكون عنصرًا ضاغطًا إلى جانب صانع القرار، وهو ما فعلته إثيوبيا فى القضية ذاتها وأشرنا إليه فى المقال ذاته.

المعالجة الثالثة تتعلق بالتناول الإعلامى وتتجاوز ما تناولته فى المقال الماضي، وأشير فى ذلك إلى بعض الكتابات التى رغم موضوعيتها قد تؤدى إلى تحويل الانتباه إلى قضايا غير آنية بشأن الأزمة بما قد يؤدى إلى الانخراط فى قضايا فرعية ليست من صلب الموضوع. ومن ذلك ما كتبه الصديق عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق الأسبوع الماضى تحت عنوان «كيف نقنع الشعب الإثيوبى بأننا لا نعاديه؟!» ورغم انطلاق الكاتب من فكرة تسود لدى قطاع كبير من الإثيوبيين دلل عليها من خلال تجربته الذاتية، إلا أن المشكلة التى يشير إليها تتعلق بالصورة الذهنية لدى الشعب الإثيوبى عن مصر- بغض النظر عن صحتها من عدمه وهى فى رأيى غير صحيحة- قد تتطلب أجيالًا لتغييرها. صحيح أن العمل على تعديل هذه الفكرة يبقى مطلوبًا إلا أنه ليس ولا ينبغى أن يكون من أولوياتنا فى هذه المرحلة!

على المنوال ذاته ذهب الصديق كامل عبدالفتاح فى الوفد تحت عنوان «إثيوبيا ليست عدوًا ويجب ألا تكون» معتمدًا على حتمية دور الجغرافيا فى التقارب بين البلدين، ما يستلزم من مصر حسب الكاتب ضرورة السعى للوفاق مع هذا البلد. بعيدًا عن حقيقة أن الجغرافيا عامل محايد وقد تكون سببًا فى التعاون بذات قدر تسببها فى الصراع، فإن مشكلة هذه الرؤية أن مصر لم تسع إلى عداء مع إثيوبيا أو غيرها، إن لم يكن العكس، فمظاهر تأكيد مصر على حقوق إثيوبيا ربما تتجاوز التأكيد على حقوقها!

إذا جاز لنا أن نخلص إلى نتيجة فإنها تتمثل فى أنه حتى المعالجات غير السياسية ربما تكون هناك سبل لأدائها بشكل أفضل، وهى ذات النتيجة التى تنطبق على المعالجة السياسية.. وأعتقد أن ذلك يعكس جانبًا أساسيًا من مأزق التعاطى المصرى مع مفاوضات سد النهضة.

‏[email protected]