على فكرة
كثيرون استبشروا خيرا بالحديث عن المصالحة الوطنية الفلسطينية، بين حركة حماس وبين السلطة الوطنية الفليسطينية، لأن من شأن ذلك، فى حال حدوثه، جعل رفض خطة ترامب لإنهاء النزاع بين إسرائيل والفلسطينين أمرا ممكنا، فضلا عن أنه يجعل العالم مهيئا للاصغاء لرؤية فلسطينية موحدة، وصوت فلسطينى واحد معبر عنها، بعد الخسائر التى لحقت بالقضية الفلسطينية من جراء هذا الانقسام، وتباين المواقف السياسية بين فصائلها، وهو ما عزز الاعتقاد حتى لدى الأطراف الدولية الداعمة للقضية الفلسطينية، بأن عودة الحقوق الضائعة للشعب الفلسطينى، فى ظل ذلك الانقسام أمر بات مستحيلا.
لكن التفاؤل برغبة حركة «حماس الصادقة فى إتمام تلك المصالحة أمر مشكوك فيه، ويشكل قراءة خاطئة لفكر جماعة الإخوان التى تنطق الحركة باسمه فى قطاع غزة، ولطبيعة الحركة نفسها. فحركة حماس هى الفرع الفلسطينى لجماعة الإخوان هى ميليشيا مسلحة، تمولها إيران وقطر، وتعمل لأهدافهما الإقليمية فى المنطقة، وليس لصالح الشعب الفلسطينى. وما عودة الحديث عن سعيها للمصالحة، سوى فرصة جديدة لإضاعة الوقت، لتثبيت الانقلاب الذى قادته قبل ثلاث عشرة سنة،على السلطة الوطنية فى أعقاب فوزها باغلبية الأصوات فى الانتخابات التشريعية عام 2007، لتنفرد بحكم غزة، وتعتمد العنف والسلاح والمال الوسائل الوحيدة لتحويلها إلى إمارة إسلامية.
وبالعودة للمنابع التى تستمد منها حماس حيلها للبقاء حيث هى،فإن القراءة لتاريخ جماعة الإخوان التى تنتسب إليها، تؤكد أنها تراوغ وتتلاعب بمشاعر الفلسطنيين، وهى تتحدث عن المصالحة الوطنية، فجماعة الإخوان التى كانت قد بدأت حركة دعوية، وانتهت لتكون حركة متطرفة وإرهابية، أخذت من الحركة الصهيونية أساليب عملها، التى استندت إلى حركة سياسية، تنشط فى العلن وفقا للقوانين السائدة، وحركة سرية تتشكل من ميليشيات مسلحة تمارس القتل والإرهاب بكل أنواعه لأهداف سياسية لا دينية. وبناء على ذلك شكل حسن البنا جهاز الجماعة السرى الذى يعرف باسم الجهاز الخاص للقيام بنفس الدور، بزعم المشاركة فى تحرير فلسطين، بينما وجه كل عمله للاستيلاء على الحكم بعد أن كفر كل القائمين عليه، سعيا لاستعادة دولة الخلافة، وعمليات قتل القاضى الخازندار والنقراشى ومن بعدهما السادات خير مثال على ذلك.
وحين تولى الرئيس السادات الحكم، أفرج عن قادة جماعة الإخوان من السجون طبقا لاتفاق شفهى مع قادتها، يقضى بالسماح لهم بالعودة للعمل الدعوى دون قيود، وإعادة صدور المجلات الناطقة باسمهم، فى مقابل تعهدهم بعدم رفع السلاح فى مواجهة الدولة والسلطة فى البلاد، وهو ما انتهى باغتياله فى وضح النهار، من قبل تنظيم تناسل من جعبة الإخوان واقتدى بمنهج الجماعة فى ممارسة العمل السياسى، الذى يعد الاغتيال والقتل والنحر أدواته الناجزة!
خلاصة القول، إذا كان إنهاء الانقسام مرهونا بموافقة حماس فلن يحدث، لأن تاريخها فى الغرور والمراوغة والتحلل من الوعود حافل بالسجلات مثل الجذور التى أتت منها. لكن السلطة الوطنية الفلسطينية تستطيع بإعادة هيكلة مراكز صنع القرار فى هيئاتها، بما يضمن مشاركة حقيقية لبقية فصائل المقاومة الفلسطينية المدنية فى الداخل والخارج أن تعزل حماس، وتضغط عليها، وأن تقوى الوضع التفاوضى لها فى غابة السياسة الدولية، التى لا يرتكن القرار بداخلها إلى الإنصاف والعدالة، لاسيما بعد العرض الذكى والمدروس بعناية الذى قدمه الرئيس «أبو مازن» لمخاطر خطة ترامب على قضية فلسطين وشعبها فى الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام.
قد يبدو الاقتراح بأن يتخلى قادة حركة فتح عن أن يكونوا هم وحدهم المهيمنين على صنع القرار فى السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، وأن يقبلوا بتقاسمه مع القوى الفلسطينية الأخرى، أمرا صعبا للغاية، لكنه ليس مستحيلا، فالأوقات الاستثنائية الحرجة، تحتاج دوما لجسارة القرار الاستثنائى وشجاعته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض