حكاية وطن
فى أحد الأيام استمعت إلى هذه النكتة، واعتبرتها سخيفة لأنها كانت تتحدث عن ظاهرة الثأر التى وجعت قلوب أهل الصعيد ومازالت سبب تخلفهم، وأقصد التخلف الاقتصادى والاجتماعى.
تقول النكتة: مرة جماعة صعايدة كانوا يطاردون بعضهم بالسيارات لأن المجموعة الأولى كان لها ثأر عند الثانية، وعلى الطريق السريع دخلت مجموعة ثالثة بالصدفة كانت متجهة إلى حفل زفاف، فارتاب فيهم أصحاب الثأر وسألوهم إنتم معانا ولا مع التانيين، فخافوا منهم عندما شاهدوا الأسلحة.. وقالوا إحنا معاكم، فرد الصعايدة طاب إحنا التانيين، وطخوهم بالرصاص!
الصعايدة لا يضحكون على هذه النكتة، لأن معظمهم اكتووا بنار الثأر التى لم تبرد حتى الآن، صحيح أن ظاهرة الثأر تحجمت بسبب التوعية التى أسهمت فيها لجان المصالحات بالمشاركة بين رجال الدين والقيادات الأمنية، وأصبح أصحاب الثأر يتنازلون، ويسامحون القتلة وسط احتفالات شعبية، ولكن مازال الثأر يطل بين فترة وأخرى وفى مناطق مختلفة رغم الجمعيات التى نشأت فى الصعيد خصيصًا لمحاربة الثأر، وشرح آثاره السلبية، وعقد لقاءات تجمع المتورطين فى القتل مع أهل القتيل لتسوية الأمر مقابل تقديم الكفن أو الدية، ونجحت هذه الجمعيات، خاصة فى المناطق الملتهبة من توسيع ثقافة التسامح، خاصة إذا كان القتل قد جاء قد وقع نتيجة خطأ، وليس على سبيل الإصرار والترصد.
ورغم ذلك ستظل جريمة الثأر أخطر ما يواجه مناطق الصعيد بسبب طبيعة التركيبة الاجتماعية التى تتكون من عائلات كل منها لها تقاليدها المختلفة، أما النكتة السخيفة التى كنت أسمعها وأغضب لأنها كانت تتناول الثأر، فقد حدثت فى الواقع منذ أيام ولم تصبح نكتة وكأن أن الذى قام بتأليفها كان يتوقع أنها ستحدث فى الحقيقة بعد عشرات السنين، ومن واقع ملفات الشرطة وبلاغات أحد الأقسام، حدث منذ أيام قيام مجموعة فى أحد أرياف الصعيد بإطلاق رصاصبنادقهم على مجموعة كانت تقف أمام محل بقالة أخذًا بثأر قديم، فلقى ثلاثة مصرعهم، وأصيب صاحب محل البقالة، وتمكنت الشرطة من القبض على ثلاثة متهمين، وتبين أنهم ارتكبوا الجريمة بدافع الثأر.
المفاجأة التى كشفت عنها التحقيقات كانت أن المجنى عليهم ليسوا هم المطلوبين للثأر، وأن إطلاق الرصاص عليهم كان للاشتباه فيهم.
الجريمة البشعة التى فسرت النكتة البايخة تحولت إلى جريمتين، وتحول الثأر إلى جريمة مركبة، وأصبح ثلاث عائلات طرفًا فى الثأر: الجناة، والقتلى والجناة السابقون الذين كان يتربص بهم القتلة فى الحادث الأخير.
النكتة البايخة جددت أحزان الصعيد، ولن تجف الدموع والأحزان إلا بتكثيف جهود لجان المصالحات، وزيادة مساحة التوعية من خلال الندوات واللقاءات داخل مراكز الشباب وخطب المساجد. آفة الثأر خطيرة والتخلص منها ليس صعبًا، ولكن ليس فى يوم وليلة، ولكن مع العفو والتسامح والسلام الاجتماعى كل شىء قابل للاحتواء.
فى سبيل تخفيف منابع الثأر هناك دور مهم لأجهزة الأمن فى جمع الأسلحة غير المرخصة من خلال الحملات التى تقوم بها والتى عليها عامل كبير فى تجريد القتلة من أدوات جريان دماء الثأر، ونطالب باستمرار هذه الحملات لضبط الأسلحة، ومصادرها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض