ضوء فى آخر النفق
-قليلة هى المرات التى أوجع فيها مبدع قلوب زملائه وأصدقائه ورفاق مسيرته ومحبيه..فانفطرت قلوبهم كمدًا وحزنًا،ما دفعهم للتوحد معه، مناشدين وآملين فى المساعدة العاجلة،لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بعض المبدعين لا يمكن إلا أن تتوحد القلوب معهم، وما حدث مع الشاعر والمترجم رفعت سلام أبلغ دليل على ذلك، فكم من مبدعين لم يحظوا بمثل هذه المحبة المدهشة والتعاطف الشديد بل والسريع أيضًا، والمحبة من الله كما يقولون.
-انتشر نداء المثقفين للمطالبة بإنقاذ رفعت سلام من الوحش الذى يسكن رئته ويهددها بفقدان صهيلها إلى الأبد، ولم تكد تمر ساعات على نشر البيان حتى عرفت من صديقى الشاعر الكبير مسعود شومان- وكنا من بين المتضامنين مع رفعت فى البيان الصادر عن نخبة من مثقفى مصر حفظهم الله- أن جامعة القاهرة أعلنت من خلال رئيسها عن تكفلها بدفع قيمة العلاج، وأيضًا الملياردير الواعى سميح ساويرس وكذلك رجل الأعمال والصناعة المعروف محمد فريد خميس. اللافت أن كل هذا تم فى غياب الدولة، وغياب اتحاد الكتاب (لأن سلًاّم ليس عضوًا به؟) وفى غياب وزارة الثقافة، حتى اننا لم نسمع تصريحًا واحدًا من داخلها يبدى حتى تعاطفًا مع الشاعر الكبير!
- حينما رقد الأبنودى رقدة مرض شديدة فإن الرئيس السابق مبارك أمر بعلاجه على نفقة الدولة. وكذلك فى عهد الرئيس الحالى.. وحينما مرض الأستاذ هيكل قبل رحيله بسنوات عرضت الدولة عليه -زمن مبارك أيضًا- التكفل بنفقات علاجه ولكنه رفض معلنا قدرته -طبعًا- على تحمل فواتير وكلفة العلاج رغم ضخامتها. بعكس الحال مع آخرين، لم نسمع من الدولة شيئًا عنهم ولم تفلح محاولات جمع التبرعات من أجل إنقاذ حياتهم.. بل وقبل أيام كانت محنة الكاتب الصحفى عزت بدوى ماثلة للعيان وتعالت النداءات والمناشدات من أجل تدبير نفقات علاجه بشكل أو بآخر عن طريق نقابة الصحفيين، أو مؤسسته التى أفنى عمره فيها! لا أريد أن أنكأ جراحًا كثيرة، لكنى فى الحقيقة مازلت أشعر بالأسى لأن مواطنين وشعراء ومبدعين يجدون أنفسهم فى لحظة أمام اختبار هو الأقسى من نوعه. أن يداهمهم فجأة مرض شرس ولا يستطيعون مواجهة شراسته تلك لأنه أكبر من مقدراتهم المالية. انها تجربة مريرة نعيشها مع شقيقتى مها شفاها الله التى تصبر وتحتسب، ومررنا بها مع صديق عمرنا الشاعر الساخر والمحام النابه محمد كامل الصفتى (كمال الصفتى) الذى لولا الوساطات والنواب ومساهمات نقابته ما أمكنه الصمود لنحو عام أو أكثر مع هذا المرض اللعين. من المؤسف ان يجد إنسان نفسه بحاجة إلى مال يفوق طاقته من أجل إنقاذ حياته.. وأتذكر أنه قبل بضع أعوام تعددت المناشدات لتكفل الدولة بعلاج أحد الشعراء المصريين، ولم تفلح المحاولات، فلما بدأت حملة تبرعهم وكادت تثمر ترجل الرجل وذهب إلى بارئه!
-يستحق المصريون منظومة علاج متكاملة، ففى غيابها فإن هاجس المرض هو الأكثر خشية، فلا توجد مؤسسة صحفية تتحمل مثل هذه الكلفة، فضلا عن أن نقابة الصحفيين أفقر من أن تقدم هذا النوع من المساعدة!