رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

لكى نفهم مسرح التاريخ فمن الحكمة أن نبحث فى كواليسه عن حقيقة ما دار وجرى من أحداث ..« سد النهضة » كمشكلة تهدد مصر بالعطش والتصحر وراءها ستة قرون من الكواليس،جرى ما جرى فيها من ماء ونار وصراعات تتصل موجاتها حتى اللحظة الراهنة ..افتتن ملك البرتغال هنريك أو هنرى الملاح  ( 1394 – 1460 ) قبل ما يقرب من 600 سنة بما سمع به عن بلاد تمبكتو ( مالى ) والسنغال والذهب والعاج والعبيد فقرر غزو غرب أفريقيا ولكن عينه كانت على شرقها حيث منابع النيل فى بلاد الحبشة المسيحية وحلم تحويل مياه النيل من الهضبة الأثيوبية الى البحر الأحمر بشق مجرى جديد يمكن البرتغاليين من احتكار التجارة مع الشرق وخاصة الهند لصالحهم .. اختلطت التجارة مبكرا بالحرب والماء والدم .. فى 8 يوليو من عام 1497م خرج أسطول فاسكو دى جاما (1469 -  1524م) ورايات الصلبان تخفق على صوارى عشرين سفينة مسلحة برغبة من بابا الكنيسة الكاثوليكية إسكندر السادس الذى بارك القائد ورجاله وغايته الاستعمارية فى السيطرة على الشرق وتجارته .. فاسكو دى جاما، إذن لم يكن مكتشفا أو كبيرا للرحالة ولكنه خرج من لشبونه كقائد عسكرى فى مهمة امبراطورية لكسر شوكة المسلمين ، ومصر تحديدا التى انطلق منها صلاح الدين قبل قرنين من زمان «دى جاما» لينهى الوجود الصليبى بالقدس .. ولما وصل «دى جاما» إلى شرق أفريقيا وتحديدا موزمبيق  كتب للبابا فى روما « الآن طوقنا المسلمين ولم يبق إلا أن نشد الخيط»، ولما حط بالحبشة اتجه لملكها ليقنعه بتحويل مجرى مياه الهضبة الأثيوبية إلى البحر الأحمر لخنق النيل وموت مصر عطشا وضياعا فى الصحراء ..عام 1517 استولى العثمانيون على مصر والشام ، وبعد ست سنوات كانت حربهم على مملكة الحبشة وملكها « لبنا دنكل عام 1523 ، وعندما أوشكت بلاد الحبشة على السقوط استغاث  الملك المهزوم بملك البرتغال الذى أعانه بقوة مدججة بالأسلحة الحديثة آنذاك وليصد بنى عثمان ..

لو انتقلنا من غابات وصحارى القرنين الخامس والسادس عشر إلى بحار وأنهار العصور الحديثة سنجد أن حرب الماء والنار مستمرة وما تغير ليس سوى أسماء الملوك والإمبراطوريات – أما الغايات فبقيت أكثر رسوخا . لم تعد الحرب على المياه فقط ، لقد أصبحت حرب تأمين الطاقة – أى حرب النار هذه المرة إلى جانب المياه .. اتفاقية أديس أبابا مايو 1902م  وقعتها بريطانيا نيابة عن مصر ، وتعهد فيها الإمبراطور «منيليك الثاني» ملك إثيوبيا بعدم إقامة أو السماح بإقامة أى منشآت على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها أن تعترض سريان مياه النيل إلا بموافقة الحكومة البريطانية .. اهتمام بريطانيا فى ذلك الوقت بتوقيع هذه الاتفاقية لم يكن مبعثه حماية مصر وأهلها ، ولكن بالأساس ضمان  استمرار طرق تجارتها إلى الهند – تاج مستعمراتها – ولتحمى وجودها فى مصر بضمان استمرار تدفق مياه النيل إلى هذا البلد الفريد فى جغرافيته وموقعه الجيوسياسى الخطير .. اتفاقية 1929 جاءت لتعبر عن استمرار الدور البريطانى ولتؤكد  على ضرورة التنسيق بين مصر وأثيوبيا عند إقامة أى مشروعات وأن لمصر الحق فى إقامة أى أعمال لزيادة مياه النيل لمصلحتها. وبالقفز إلى اتفاقية «مبادرة دول حوض النيل» التى تم توقيعها فى فبراير 1999م بهدف ظاهر وهو وضع استراتيجية للتعاون بين الدول النيلية كما روج لها، ورفع شعار تحسين معدلات التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر، سنجد نيرانا كثيرة بدأ جمع الحطب لها تحت جبل الثلج الخادع والغارق فى المفاوضات .. باسم التنمية والترويج لها وقعت دول المنبع على اتفاقية «عنتيبي» بدون موافقة دولتى المصب (السودان ومصر) والتى تعتبر الاتفاقية مهدداً خطيراً لحصتها؛ لكن فجأة وبصورة أثارت الذهول لدى الكثيرين، عادت مصر للمشاركة فى اجتماعات مبادرة حوض النيل بعد انقطاع لأكثر من خمس سنوات إلى أن وقعت على الاتفاق الإطارى بشكل مباغت للمنطق والضرورة فى 23 مارس 2015.. الحروب المشتعلة فى سوريا وعلى شواطيء الخليج العربى وفى اليمن والعراق وليبيا ظاهرها ليس كباطنها ، وما يحدث بكواليس المسرح المشتعل شيء آخر وربما تكون قوة نيرانه وهول تداعياته أفظع ألف مرة مما يتجلى من مشاهد على المسرح المكشوف .. فى الكواليس استمرار حقيقى لمهمات فاسكو دى جاما فى القرنين الخامس والسادس عشر ، وصراع امبراطورى حقيقى على مصادر المياه والطاقة وطرق التجارة .. وجوائز عالمية تمنح لحكام – ظاهرها مكافأتهم على السلام وباطنها أصوات تتداعى من تاريخ قديم لم يمت ولن يموت  ..