رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نحو المستقبل

لعل من أصدق ما قرأت فى الفلسفة السياسية تلك العبارات الواضحة التى قالها الفيلسوف الانجليزى الشهير ديفيد هيوم (1711- 1776 م) فى بحثه «العقد الأصلى» الذى نشر ضمن كتابه «مقالات أخلاقية وسياسية» الذى ظهر 1748م. لقد قال هيوم: ليس هناك جدوى من القول إن كل الحكومات قامت أو يجب أن تقوم فى أول الأمر على الرضا العام بقدر ما تسمح به ضرورات أحوال البشر.

إن أحوال البشر لا تسمح أبدا بهذا الرضا ولا حتى فى الظاهر إلا فيما ندر، ولكن الغزو والاغتصاب وبعبارة أوضح القوة هى أصل كل الحكومات الجديدة التى أنشئت فى العالم بعد قضائها على الحكومات القديمة. وإنه فى الحالات القليلة التى يبدو أنها تمت بالرضا، كان الرضا فيها عادة شيئا شاذا وغير محدود ولازمه الغش والعنف إلى حد لا يمكن معه للرضا أى أثر كبير بوصفه سندا.

لقد قال هيوم هذه العبارة فى اطار تعليقه النقدى على النظريتين اللتين شاعتا فى عصره عن أصل الحكومات وهما نظرية الحق الإلهى للملوك ونظرية العقد الاجتماعى، فهو لا يوافق بالطبع على النظرية الأولى التى تجعل السلطة السياسية تكليفا إلهيا وتفرض على الرعية الطاعة العمياء والتى انقضى عهدها بظهور فلسفات العقد الاجتماعى التى اطلع بها هوبز وجون لوك ثم من بعدهما جان جاك روسو على اختلاف صيغهم للعقد الذى جعله هوبز عقدا من طرف واحد، حيث يسلم الناس إرادتهم كاملة للخضوع لحاكم قوى شبهه بالليفياثان (أى العملاق) نظير حمايتهم والحفاظ على حياتهم، أما لوك فقد جعل الشعب طرفا أساسيا فى العقد كما جعل رضا الناس والحفاظ على تمتعهم بحرياتهم أساس شرعية الحكم، أما روسو فقد قدم صيغة رومانسية للعقد، إذ جعل الجميع يتنازلون للجميع عن بعض حريتهم لتتأسس حكومة يكون السيادة الحقيقية والمطلقة فيها لهم جميعا أى للشعب وليس للحكومة فيها إلا التنفيذ، لقد استبدل روسو سيادة وطغيان الفرد بما أطلق عليه سيادة الارادة العامة للشعب.

وبالطبع فإن الصيغة المثلى والأوضح للعقد الاجتماعى كانت هى الصيغة التى قدمها جون لوك فهى التى لاقت القبول والانتشار، إذ لم يتوقف تأثيرها عند انجلترا فقط، بل دخلت فرنسا وساهمت فى اشعال الثورة الفرنسية ودخلت أمريكا الشمالية وانتقلت عن طريق صمويل آدامز وتوماس جيفرسون إلى اعلان الاستقلال الأمريكى، ومن ثم توقف عندها هيوم ليؤكد أن الرضا الشعبى قد يكون بالفعل خير الأسس التى تقوم عليها السلطة السياسية لكن هذا الرضا «نادرا ما تم بأى قدر مهما كان ضئيلا ويكاد يكون من المؤكد أنه لم يحدث مطلقا بأقصى مداه». إن افتراض أن كل الحكومات تقوم على الرضا الشعبى هو بمثابة افتراض «أن كل الناس يتمتعون بذلك الكمال فى الفهم الذى يجعلهم يدركون مصلحتهم الخاصة دائما» ولكن هذه الحالة من الكمال فيما يرى هيوم هى أيضا أسمى من الطبيعة البشرية.

وحتى لا يسىء أحد فهم ما يقوله هيوم، فهو لم يقصد أكثر من التنبيه على أن الطبيعة البشرية لم ولن تبلغ الكمال، ومن ثم فعلينا أن نرصد الواقع ونفهم ما فيه دون أن نفرض عليه مبادئ عقلية معينة. لقد كان هيوم يرفض فى فلسفته العلمية مبدأ الحتمية السببية الذى درج عليه الناس والعلماء حيث يرى الجميع أنه لكل معلول علة وأن لكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة علة تقود إليها، وقد رفض هيوم هذه الحتمية العلية وقال إن هذا الارتباط الضرورى ليس موجودا فى الواقع، فقد تحدث الظاهرة المعينة بفعل علل متعددة وليس ضروريا أن تحدث وفق علة محددة! وهذا بالضبط ما أراد هيوم تأكيده فى ميدان السياسة والحكم، إذ يتصور الجميع، خاصة فلاسفة العقد الاجتماعى أن علة أى حكم ينبغى أن تكون الرضا الشعبى والحقيقة أن هذه مجرد فرضية افترضها هؤلاء، فالكثير من الحكومات لم تقم على ذلك الرضا، بل قد تقوم - كما قال فيلسوفنا - على الغزو العسكرى أوعلى القوة أوعلى الاغتصاب أو حتى على الغش والخداع. وصدق هيوم فى ذلك فما قاله منذ القرن الثامن عشر لا يزال صحيحا فى مجمله، إذ على الرغم من استقرار الناس فى عصرنا الحالى على أن الديمقراطية هى أصلح الحكومات لأنها تقوم على رضا الشعب واختياره إلا أن الواقع يكذب ذلك فالديمقراطيات فى عصرنا تقوم فى الغالب على ارادة النخبة السياسية أو النخبة الثرية التى توجه ارادة الناس فى الاختيار بوسائل كثيرة مليئة بكل صنوف الغش والخداع! ولا عزاء للشعب فى كل العصور وتحت أى مسمى للحكم أو للنظام السياسى القائم! إن كل ما نطمح إليه أو يطمح إليه أى شعب هو العدالة والرفاه ومرحبا بأى صورة من صور الحكم تحقق ذلك لشعبها.

[email protected]