ما زالت سوريا تدفع ثمن الأطماع التركية؛ ورغبة أمريكا فى تأمين وجودها فى المنطقة؛ فى ظل وجود مهيمن للدب الروسى؛ وما يقال عن المنطقة الآمنة بالحدود بين الأتراك والسوريين ما هو إلا أساطير الأولين؛ وهذا ما يفسر ما قام به الجيش التركى مؤخراً بنشر الكثير من قواته العسكرية بالقرب من المنطقة الحدودية الشمالية السورية؛ وبالطبع حدث هذا للقيام بعمليات عسكرية ضد ما يسمى بالقوات الديمقراطية السورية؛ والعبور داخل الحدود الشمالية السورية القريبة من منفذ سيمالكا الواقع فى الشمال الشرقى من محافظة الحسكة؛ وبالتالى الوصول إلى معبر عين العرب فى شمال شرق محافظة حلب؛ على أمل التوغل بعمق 30 كيلو متراً داخل مناطق القوات الديمقراطية السورية الكردية.
وظلت القوات العسكرية التركية تنتظر أمراً من الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان»، لشن العملية العسكرية على تلك المناطق التى تسيطر عليها الميليشيات الكردية فى شمال سوريا، إلا أن الخلاف مع الأمريكيين أدى إلى تأجيل تلك الهجمات العسكرية،
فالواقع يؤكد أن الأمريكيين لا يريدون التخلى بشكلِ كلى عن تلك الميليشيات الكردية الحليفة لهم؛ ولهذا فقد عارضت واشنطن بعض تفاصيل خطة الحكومة التركية لإنشاء منطقة آمنة فى شمال سوريا، ولقد أرسل البيت الأبيض، الذى يحاول أيضاً إرضاء الحكومة التركية، وفداً عسكرياً إلى أنقرة لمواصلة التفاوض بشأن التنسيق والاتفاق النهائى لإنشاء ما يسمى بمنطقة آمنة فى شمال سوريا.
والمتابع للشأن السورى التركى يعلم أن زيارة وفد أمريكى إلى ولاية «شانلى أورفا» جنوبى تركيا، كانت من أجل التحضيرات الأولية فى إطار أنشطة مركز العمليات المشتركة المتعلق بالمنطقة الآمنة فى سوريا؛ ولإنشاء مركز عمليات مشتركة بشأن المنطقة الآمنة المخطط إقامتها بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية شمالى سوريا؛ وإن كان حتى تلك اللحظة لم تتضح بعد معالم الاتفاق؛ ولا المنطقة الآمنة، ولم يتفق الطرفان بعد على تواريخ معينة لإقامتها، ولا على عمقها داخل الأراضى السورية، ولا القوات التى ستنتشر فيها، وإن كان هذا الاتفاق جنب منطقة شرق الفرات هجوماً توعدت أنقرة مراراً بالقيام به، مع الأخذ فى الاعتبار أن القوات التركية كانت قد شنت هجوماً برياً عام 2016 أتاح لها السيطرة على أراض فى شمال شرق سوريا، ثم عادت عام 2018 وشنت هجوماً ثانياً ضد المسلحين الأكراد سيطرت بموجبه على منطقة عفرين.
إلى جانب أن الحكومة التركية تصر على أنها بعد السيطرة الكاملة على الحدود الشمالية السورية، ينبغى أن تدخل إلى عمق 30 كيلو متراً داخل الاراضى والمناطق التى تسيطر عليها الجماعات الكردية، لكن الأمريكيين يعارضون ذلك. والأمريكان يعملون جاهدين على أن تكون المنطقة الآمنة لا تغطى جميع الحدود الشمالية السورية؛ وبالتالى عمق النفوذ التركى يكون بين 5 إلى 12 كيلو متراً فقط.
إلى جانب أن تلك المناطق لا تزال تحت سيطرة الجماعات الكردية. لذلك فلا عجب فى أن الطائرات العسكرية التركية بدون طيار تطير بالتنسيق مع الأمريكيين على الحدود الشمالية السورية، لرصد ومراقبة تحركات الميليشيات الكردية. ويظل الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» يصول ويجول مدعياً كذبا أن إنشاء منطقة آمنة ضرورى للغاية من أجل مواجهة خطر المسلحين الأكراد على المناطق الجنوبية لتركيا، لكن هدفه الرئيسى والأخير هو السيطرة على جميع الحدود المشتركة مع سوريا حتى يتمكن فى المستقبل القريب من الحفاظ على مكانة قوية تساعده خلال المفاوضات السياسية المقبلة من الحصول على تنازلات. ولكن ما يقوله إعلامها المضلل أن تركيا مضطرة لاتخاذ التدابير ضد الهجمات المكثفة من الحدود السورية، وأن أولويتها تتمثل فى حماية مواطنيها وحدودها.
ومع كل هذه المناورات والأكاذيب من الطرفين؛ إلا أن الأمر على أرض الواقع من حيث التطورات السياسية والميدانية يؤكد أن الأمريكيين تجاهلوا إلى حد كبير جهود الحكومة التركية لإنشاء منطقة آمنة فى شمال سوريا، وأن هدفهم المتمثل فى إرسال وفد عسكرى إلى أنقرة هو من أجل إنشاء تحالف مؤقت لتكرار تجربة «منبج»؛ وهى نقطة الخلاف بين الأمريكان وتركيا؛ ويبدو أن أنقرة تدرك جيداً أن الأمريكيين يبحثون عن تأخير عملياتها العسكرية فى شمال سوريا؛ حتى يحصلوا على أكبر مكاسب لهم؛ وهذا ما يؤكد أن لعبة المنطقة الآمنة مجرد خرافة يبحث فيها الجميع عن مصلحتهم على حساب أمن تلك المنطقة الفعلى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض