على فكرة
قبل أن يكمل الشهر الكريم عدته، بدأت حملات الهجوم على دراما رمضان ومسلسلاته وبرامجه، التى باتت طقساً من الطقوس الفنية والاجتماعية التى ترتبط بمقدمه، وبرغم أننى وملايين غيرى نفتقد الزعيم عادل إمام، الذى يحتفل هذا العام بعيد مولده الثمانين-أمد الله فى عمره- ولا تكتمل فرحة شهر الصوم إلا بإطلالته علينا، بجانب يسرا وليلى علوى ونيللى كريم وغيرهم من فنانى وفنانات الصف الأول، إلا أن الهجوم الحالى على المسلسلات الرمضانية قد اتسم بالعنف، وافتقد فى بعض الأحيان قدراً من الموضوعية وبعض الإنصاف.
فإذا كان حقاً ما تردد أن دراما هذا العام قد ساهمت فى خفض الأجور المبالغ فيها للفنانين، فلا عيب فى ذلك، ومن يلقى نظرة سريعة على خريطة دراما هذا العام سوف يجد نحو عشرين مسلسلا يعمل بها عشرات الآلاف من الفنانين والفنيين، تمنح لأجيال جديدة منهم فى مجالات التمثيل والإخراج والتصوير والمونتاج والكتابة التليفزيونية والحيل الإلكترونية، وتنفيذ الملابس والديكور ومختلف التقنيات الفنية، فرص لتقديم مواهبهم، والتعريف بقدراتهم، وهى نفس الفرص التى سبق أن أتيحت لنجوم الصفوف الأولى لكى يصبحوا كذلك.
ويمكن أن يجتمع نجوم الصف الأول والنجوم الجدد فى دراما العام المقبل، لو عادت الدراما التليفزيونية إلى هدفها الرئيسى كفن للإمتاع والتسلية والتثقيف، وليست مجالاً للترويج لثقافة الاستهلاك، بالكم الهائل وغير المحتمل من الإعلانات الاستفزازية التى تتخللها، فضلاً عن سخفها وتواضع أفكارها، وما تنطوى عليه من مشاهد ثراء فاحش يحطم معنويات المصريين البسطاء وغير القادرين، واستغلال قبيح للأطفال، ومشاهد عنف تروج له، أكثر مما تروج للسلعة المعلن عنها!
يتذكر جيلى أن مسلسلات التليفزيون بدأت البث بثلاث عشرة حلقة فقط، متدرجة من المسلسلات الخماسية والسباعية، بالإضافة للفيلم التليفزيونى الذى يذاع فى سهرة واحدة، لكن شره ثقافة الاستهلاك والربح بأى ثمن، ونفوذ شركات الإعلان وأصحابها من التجار والمستثمرين، غير القابل للكبح أو التحجيم، هو ما أدى لزيادة عدد حلقات المسلسل الدرامى إلى ثلاثين حلقة، دون ضرورات درامية معقولة تبرر ذلك المط والتطويل، سوى اتساع رقعة الإعلانات، فلم تفسد تلك السياسة القاصرة فقط، ذوق الصائمين الراغبين فى التسلية لأكبر وقت ممكن، بل انعكس أثرها أيضاً بالسلب على مستوى التأليف الدرامى الذى بات مليئا بالحشو والتكرار ولا منطقية بعض أحداثه.
ولا سبيل لإصلاح ذلك الخلل المجتمعى والفنى الذى يهبط بأذواق المشاهدين، ويحط من قيمة العمل المتقن، ويشجع، فى دولة يعانى اقتصادها مشكلات عدة، على الاستهلاك السفيه، أن يأخذ من بيدهم الأمر قرارات حاسمة، بالعودة إلى المسلسل ذى الحلقات الخمس عشرة، فيمكن بذلك أن يفسح المجال فى دراما رمضان، لمنافسة مشروعة بين جيل الكبار والأجيال الجديدة من المواهب الشابة التى تقتحم هذا المجال بخطى ثابتة، فى شتى المجالات، وإذا كان من الضرورى أن تكثف الدورات التدريبية للراغبين فى الكاتبة الدرامية، فإن من يستطيع مراجعة دراما تليفزيون زمان، سوف يكتشف أن معظمها كان يعتبر روايات وقصص نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقى وطه حسين، ويوسف الشارونى، وثروت أباظة وإحسان عبدالقدوس، معيناً لا ينضب، يثرى الدرما التليفزيونية.
ولنبحث عن طرق وحلول لبث الإعلانات، غير تلك المفروضة علينا، وأصبحت عبئاً حقيقياً على المشاهدين، فضلاً عن الظلم البين الذى تلحقه بصناع الدراما، بما تشيعه من تشوش يحول دون متابعة أحداثها، ويحرم المواهب الفنية التى صنعتها، من فرص المشاهدة المكثفة فى رمضان للتفاعل معها، ومنحها ما تستحقه من التقدير والإعجاب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض