على فكرة
لا يوجد فى السياسة ما يسمى، كل شىء أو لا شىء. فالسياسة تقوم عادة على مبدأ خذ وفاوض، وفى أبسط تعريف لها، هى فن الممكن، وهى خيارات يعتمد التوصل إلى أحدها,على موازين القوى السائدة، التى من المفروض أن تتحكم فى طبيعة الاختيار ونتائجه. ليس هذا درسا فى السياسة، بل تذكير بحقائق أولية تفرض نفسها الآن بقوة على المشهد فى السودان الحبيب، الذى تتغير أحداثه بين ساعة وأخرى.
وبناء على القاعدة السابقة، يغدو من الأنباء الطيبة القادمة إلينا من الخرطوم استجابة المجلس العسكرى لمطلب تحالف قوى الحرية والتغيير الذى يقوده تجمع المهنيين السودانيين، بقبول استقالة - أو إقالة - ثلاثة من أعضاء المجلس العسكرى، ممن كانوا يتولون مهام أمنية فى حكم البشر، ويتهمون بممارسة القتل والعنف والتعذيب ضد المعارضين داخل السجون، وفيما كان يسمى بيوت الأشباح. وكانت الصحف قد نقلت عن البشير قوله لمسئولى تلك القوى الأمنية: اقتلوا ثلث المتظاهرين، ولعله ظن أن تلك المجزرة، لو حدثت، سوف تصيب بالذعر الثلثين المتبقيين منهم، فيكفون عن التظاهر!
الخطوة جاءت بعد اجتماع مشترك بين ممثلين لقوى المعارضة، وممثلى المجلس العسكرى، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين لبحث القضايا المختلف عليها، بعد أن كانت قوى الحرية والتغيير قد صعدت من حدة خطابها، وأعلنت مقاطعة الحوار مع المجلس العسكرى، متهمة من اسمته الجناح العسكرى للحركة الإسلامية، بعرقلة سير التفاوض مع المجلس، وتحريضه على التباطؤ فى الرد على مطالب الجماهير المحتشدة فى الميادين، فى تسليم السلطة لحكومة مدنية لفترة انتقالية تمتد أربعة أعوام.
عززت تلك الخطوة أواصر الثقة بين تحالف المعارضة والمجلس العسكرى، وشيدت جسورا للتواصل والحوار بينهما، وهو ما دفع الناطق الرسمى باسم المجلس العسكرى للقول، إن نقاط الخلاف بين الطرفين لم تكن كثيرة، وأن بالإمكان التوافق عليها. والاستجابة السريعة للمجلس العسكرى لمطالب الحراك الشعبى الأخرى من شأنها ترسيخ تلك الثقة. ومن بين تلك المطالب التى لا تحتاج اجراءات معقدة أو وقتا، إسقاط الأحكام الصادرة بحق قادة الحركات المسلحة، وإطلاق سراح أسرى الحروب الأهلية، وتطهير السلك القضائى، من أنصار نظام الإنقاذ من الحركة الإسلامية، وإعادة هيكلة السلطة القضائية، وضمان استقلالها، وتزويدها بعناصر تتحلى بالصدق والنزاهة والكفاءة، وإبعادها عن الاستخدام السياسى، وتطهير الجيش من مسئولى المخابرات العسكرية من عناصر الحركة الإسلامية، الذين عملوا خلال العقود الماضية على تحويل الجيش من مؤسسة وطنية، إلى منظمة عقائدية، يدين بعض عناصرها بالولاء لأمراء جماعة الإخوان، المنتشرين فى الوظائف العليا داخله.
من شأن الانفراجة فى المشهد السودانى أن تستمر، لو تحلى قادة تحالف قوى الحرية والتغيير باليقظة للتصدى لمن ينشرون الشكوك حول كل خطوة جديدة، ويسعون لتوتير الأجواء مع مصر. فلا مجال للريبة أن توصى قمة القاهرة التشاورية، الاتحاد الأفريقى، بأن يمدد الفترة الممنوحة لسلطة المجلس العسكرى ثلاثة أشهر بدلا من أسبوعين، تنتهى بتسليم السلطة لحكم مدنى، وإلا ستعلق عضوية السودان فى الاتحاد .والمصلحة الأكيدة للنظام فى مصر ذكرها الرئيس السيسى فى خطابه الافتتاحى للقمة الأفريقية التشاورية، وهى مساندة جهود الشعب السودانى لتحقيق ما يصبو إليه من آمال وطموحات، ودعم الجهود التى يبذلها المجلس العسكرى الانتقالى، للتوصل إلى وفاق وطنى.
ولأن الموقف المصرى المبدئى، هو بالضبط ما يحدث الآن فى الخرطوم من حوار لا بديل عنه سوى الفوضى، فلم يعد هناك شك، أن من يرفعون لافتات ويصيحون بهتافات مضللة، ضد مصر فى مظاهرات الحراك الشعب السودانى، هم من عناصر الحركة الإسلامية الخارجة من رحم جماعة الإخوان!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض