الشارع الجزائرى مشتعل، مناديا برفضه التام لبقاء الباءات الأربعة، تلك الباءات هى أسماء رؤساء الدولة والحكومة والمجلسين الدستوري والتشريعي. وفى نفس الوقت رافضين تحمل المؤسسة العسكرية مسئولية تنصيب القيادات السياسية في الدولة والحكومة للمرحلة الانتقالية. وفى الحقيقة ان كل ما يحدث هناك يثير شجونى، فذلك البلد الذى عملت به فترة من حياتى كان لها دوره اللامع كقطبٍ في العالم العربي وفي أفريقيا ودول عدم الانحياز وعلى المستوى الدولي، وما يحزننى ايضا أن يصل بوتفليقة بنفسه الى هذا المنحنى بعد تاريخه الطويل كأحد أهم الدبلوماسيين في مرحلة التحرّر الوطني، معتمدا عليه الرئيس هوّاري بومدين لتمثيل الثورة الجزائرية المُستقلّة محدثا عاصفة من الدبلوماسية، وللأسف ان الأزمة هناك ليست وليدة اليوم ولكنها بدت فى الآفاق مع تراجع الريع النفطي واحتكار «النومانكلاتورا» (أصحاب الامتيازات؛ الطبقة والصفوة والنخبة التي أنتجتها الدولة الحديثة) الصدارة والثروات، وما تبعها بعد ذلك من غياب الجزائر القوية عن المنطقة والجامعة العربية، ومع ما حدث دوليا بين الستينيات والثمانينيات، وتصاعد الإرهاب التكفيري بمَدَد الوهّابية ومشيخات الخليج والبترودولار وبدعم من القوى الامبريالية في واشنطن ولندن وباريس وبالتالى تأثرت الجزائر وعاشت ما هو أسوأ مع العشرية السوداء في الجزائر هي صراع مسلح قام بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ والإسلام السياسي"، بدأ الصراع في يناير عام 1992 عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا مؤكدا مما حدا بالجيش الجزائري التدخل لإلغاء الانتخابات البرلمانية في البلاد مخافة من فوز الإسلاميين فيها أدت هذه الأوضاع المتأزمة إلى تدهور أكثر في الاقتصاد الجزائري وزاد الوضع تأزما بعد اغتيال محمد بوضياف الذي كان أمل الجيش في إعادة الهدوء للبلاد لكونه رمزا من رموز تحرير الجزائر والذي تم اغتياله في 29 يونيو 1992 أثناء إلقاء خطاب في مراسيم افتتاح مركز ثقافي في عنابة على يد أحد أعضاء فريق حمايته والذي وصف بكونه «متعاطفا مع الإسلاميين» وبعد عملية الاغتيال تلك حكم على عباسي مدني وعلي بلحاج بالسجن لمدة 12 عاما، وانتهى هذا التاريخ المظلم فى فبراير 2002. وللأسف إن الانتقال السلس في الجزائر عالقاً عند عقدة التقدّم من إنجاز المادة 102 من الدستور، إلى الدخول في تطبيق المادتين السابعة والثامنة المتعلقتين بمصدر الشعب للسلطة كما طلبت المؤسسة العسكرية. فالخطوة الأولى تم إنجازها تحت ضغط الشعب والجيش التي استجابت لها الرئاسة، لأنها خطوة إجرائية تجسدت بإعلان شغور منصب الرئاسة وانتقال صلاحياتها إلى رئيس مجلس النواب لفترة انتقالية لا تتعدى ثلاثة أشهر. لكن تطبيق المادتين التاليتين ليس إجرائياً فهما مسألة فلسفية مبدئية يعوز تطبيقها التوافق السياسي بين الأحزاب والتيارات السياسية على اختيار شخصيات موثوقة لقيادة المرحلة الانتقالية في رئاسة الدولة والحكومة. ولكن ثمة عراقيل عدة بسبب تأثير الوصفات الفكرية الغربية السائدة بشأن السلطة والدولة والعسكر وما يسمى الانتقال إلى النظام الديمقراطي، فالنخبة السياسية المعارضة في الجزائر وفي البلاد العربية عامة أوقعت نفسها تحت هذا التأثير، أسيرة حرب مفتعلة بين المعتقدات الإسلامية والمعتقدات العلمانية خلافاً لإرث مجاهدي الجزائر وحركات التحرر من أجل الاستقلال. وفي هذا السياق تتسابق التيارات والنخبة السياسية على ندب حظها بتخلف الشعب عن تقديم الطاعة والولاء لنخبة افتراضية. في إطار التحريض لتهشيم ركائز الدولة الوطنية، تتلقى المؤسسة العسكرية الجزائرية نصيباً باتهامها أنها سند سلطة الاستبداد في الفترة السابقة. وبينما يهتف الحراك الجزائري «الجيش والشعب خاوة خاوة»، يشكك بعض النخبة السياسية بالمؤسسة العسكرية، والأمل الآن أن تواكب المؤسسة العسكرية وعي الشعب للتوافق على قيادة موثوقة يؤيدها الحراك مثل الاستفتاء على شخصيات المرحلة الانتقالية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض