رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

(نحو المستقبل)

يعد د. محمود قاسم (1913- 1973م ) الذي عمل أستاذاً للفلسفة فى كلية دار العلوم لمدة ثلاثين عاماً متصلة أحد أبرز رواد التجديد الذين لم يسلط عليهم الضوء الكافي فى الفكر الفلسفى المصري رغم أنه كان صاحب مشروع فكرى حداثي أصيل دون ادعاء ودون طنطنة دعائية. وربما يعود هذا التجاهل لأسباب كثيرة، منها: غيرة بعض زملائه من شهرته وسطوته فى زمانه فقد تولى عمادة كليته حوالى عشر سنوات، كما كان مقرراً للجنة ترقية أساتذة الفلسفة لنفس المدة تقريباً، ويبدو أنه كان من الشخصيات القوية الآثرة المساندة والداعمة لتلاميذه فى مجال العلم والتعلم الحازمة شديدة الموضوعية والحسم فى مجال الإدارة.

لقد كان محمود قاسم من أوائل مؤسسي الدرس الفلسفي فى مصر المعاصرة، حيث عاد من بعثته الدراسية إلى فرنسا فى منتصف الأربعينيات من القرن العشرين بعد أن قضى فيها ثمانية أعوام تتلمذ فيها على أبرز الأساتذة الفرنسيين وأشهرهم فى ذلك الوقت، وقد حصل على درجة دكتوراه الدولة بمرتبة الشرف الأولى تحت إشراف مؤرخ الفلسفة الكبير إميل برييه وكان موضوعها «نظرية المعرفة عند ابن رشد وتأويلها لدى توما الأكويني» وقد كشف فى هذه الدراسة المهمة عن مدى تأثر القديس توما الأكويني بابن رشد وفلسفته، وأكد أن معظم العناصر التجديدية عند الأكوينى ومنهجه العقلي مستمدة من ابن رشد وفلسفته العقلية. وحينما عاد من فرنسا تولى تدريس الفلسفة بمعظم مجالاتها وفروعها وبدأ نشاطه الواسع فى الترجمة والتأليف؛ ففى مجال التأليف كتب كتابين عن ابن رشد فيلسوفه المفضل هما «ابن رشد وفلسفته الدينية» و«الفيلسوف المفترى عليه- ابن رشد» كما كتب «ابن عربي ولينتز» موضحاً مذهب ابن عربي الصوفي ومدى تأثيره على ليبنتز، وكتب «دراسات فى الفلسفة الإسلامية» و«نظرية النفس والعقل لدى فلاسفة الإغريق والإسلام» و«الإسلام أمسه وغده» وشارك فى تأسيس الدرس المنطقى ومناهج البحث العلمي بكتابه المهم «المنطق الحديث ومناهج البحث»، واختار اثنين من أعلام الفكر الاسلامي المعاصر ليكتب عنهما هما «جمال الدين الأفغاني حياته وفلسفته» و«الإمام عبدالحميد ابن باديس الزعيم الروحي لحزب التحرير الجزائري.

وفى مجال تحقيق التراث العربي الإسلامي حقق لابن رشد كتابيه مناهج الأدلة فى عقائد الملة وشرح المقولات، وأجزاء من كتاب المغني للقاضى عبدالجبار أحد أئمة المعتزلة وكذلك جزء الطبيعيات من كتاب الشفاء لابن سينا.

أما أهم مترجماته من الفرنسية إلى العربية فكانت كتاب «التطور الخالق» لهنري برجسون و«قواعد المنهج فى علم الاجتماع» لاميل دوركايم و«الأخلاق وعلم العادات» لليفي بريل و«مقدمه فى علم النفس الاجتماعي» لشارل بلوندل و«هنري برجسون» لأندريه كريسون و«الموضوعات الأساسية فى الفلسفة» لاميل برييه زامتدت ترجماته إللى مجال الأدب الفرنسي فنقل كتاب «تاريخ الأدب الفرنسي» لجوستاف لانسون إلى العربية.

ولعل الناظر فى هذه القائمة المختصرة لمؤلفات محمود قاسم ومترجماته يدرك بعض معالم مشروعه الفكري فى الجمع بين الأصالة والمعاصرة ببساطة ودون أن يقع فى أثر الثنائية الزائفة الشهيرة «الأصالة والمعاصرة»؛ فهو قد أدرك بكل وضوح وبساطة ضرورة إحياء الجانب العقلاني من تراثنا الفكرى ومن ثم درس ابن رشد وعرف الناس به وبين لهم أثره فى الغرب اللاتيني عبر تأثيره فى توما الأكوبنى، كما اختار أن يحقق بعض كتب أئمة التيار المعتزلي من علماء الكلام، وفى ذات الوقت ترجم العديد من مؤلفات الفلاسفة وعلماء الاجتماع الفرنسيين، وخاصة الوضعيين منهم ليؤكد أن النهضة التى نرجوها ينبغي أن تقوم على أساسين اثنين مستمدين من تراثنا القديم ومن الحضارة الغربية المعاصرة فى ذات الوقت وهما «العقل» و«العلم».

ومن هنا نستطيع التأكيد أنه حاول أن يواصل المشروع الإصلاحي التجديدى للإمام محمد عبده الذي كانت وفاته عام 1905م شديدة التأثير على كل من أراد تقدم العرب والمسلمين وإعادة بناء نهضتهم ولمن لا يعرف فقد انطلقت رسالة الإمام الإصلاحية فى دار العلوم، حيث عين مدرساً بها فى بداية حياته العلمية وكان درسه العلمي فى علمي التاريخ والاجتماع وفلسفة التاريخ مستنداً على مقدمة ابن خلدون.

 

(2)

 

لقد خاض محمود قاسم معركته التنويرية متأثراً بمنهج الإمام العقلاني الإصلاحي وضد التيارات الصوفية والسلفية ومن خلال التأكيد على توجهه العقلاني الذي بدا فيما عرضنا له- فى المقال السابق- من أسماء مؤلفاته ومن خلال تأسيسه للدرس المنطقى والفلسفي فى دار العلوم الذي بدا فى كتابه عن المطق ومناهج البحث الذي كشف فيه عن وعي مبكر بالفرق بين المنطق القديم الذي أسسه أرسطو وبين المنطق الحديث بشقيه الاستنباطي الرياضي والاستقرائي التجريبي؛ تأمل معي ماقاله فى مقدمة الطبعة الثانية من هذا الكتاب « إن منطق ارسطو نال من العناية أكثر مما هو أهل له وأن الباحثين مازالوا يبذلون جهداً كبيراً لدراسته وبيان قواعده مع أنه فى الحقيقة ليس إلا منطقاً تاريخياً يعبر عن إحدى المراحل التى مر بها التفكير البشري عندما كان مرتبطاً بحركة العلوم فى العصر القديم وبخاصة العلوم الرياضية التى شهدت تطوراً كبيراً منذ ذلك الحين، ومازالت تتطور فى العصر الحاضر..» وقد اختتم هذه الفقرة بما يؤكد وعيه بأهمية الربط بين المنطق ومناهج البحث التجريبية الحديثة وبين المنطق الاستدلالي الرياضي حينما يقول «إن المنطق الحديث وأعني به منطق الاستقراء أو المنهج التجريبي يسلك مسلك الاستدلال الرياضي، إن كل منهج فى البحث لابد أن يكون منهجاً فرضياً استنتاجياً، وأن هذا النهج العام فى التفكير تختلف تفاصيله باختلاف طبيعة الموضوعات التي يعالجها فى مختلف العلوم».

وقد تحلى محمود قاسم بشجاعة كبيرة حينما انتقد فى كتابه الأهم «الإسلام أمسه وغده» الذي كتبه بروح نقدية ثائرة لواقع المسلمين وفى ذات الوقت برؤية استشرافيه مستقبلية؛ لقد انتقد فيه تواكل المسلمين المعاصرين وتكاسلهم واستسلامهم لما هم فيه من جمود وتخلف، كما هاجم فيه أيضاً فقهاء السلطان الذين أشاعوا فى تفسيراتهم للدين تفسيراً يقوم على عقيدة القضاء والقدر والجبرية التي ليست من الاسلام بحق! لقد كتب د. قاسم فى مقدمة ذلك الكتاب قائلاً».. قد نحسن الظن لو قلنا إن شباب المسلمين وشيوخهم قد انقطعوا منذ جيل أو جيلين عن الفخر بماض لم يصنعوه وعن الحسرة والأسى لحاضر يزعمون عجزهم عن إصلاحه وعن الأمل العريض يلقون عبء تحقيقه على الأجيال بعدهم، ذلك أنهم كانوا ينتظرون إحدى المعجزات التى تقودهم إلى الحرية عفوا، واليوم يوشك القوم أن يعترفوا بأن النهضة لا تأتي دون جهد وإنما تنبعث من أعماق الأمة وعلى عيونهم ولهم بعد ذلك أن يدركوا أن تدهورهم أبعد مما يظنون».

وهكذا عبر مفكرنا فى نغمة نقدية ساخرة عن واقع حال المسلمين الذين ركنوا ولازالوا عند الفخر بماضِ عظيم لم يكونوا هم من صنعوه ويأملون ومازالوا يأملون في أجيال قادمة تحمل عبء بناء النهضة المأمولة! والحقيقة التى أراد أن ينبه إليها ويؤكدها أن نهضة أي أمة إنما تكون بوعي وجهد من يعيشون اللحظة الحاضرة ويسعون بجد واجتهاد لتغيير حاضرهم الجامد المتخاذل ليصنعوا بأنفسهم مستقبلهم الواعد عبر ثلاثة أسس ألمح إليها فى معظم كتاباته هى: «الوعي بالجوهر الحقيقى للدين الاسلامي الصحيح» و«العقلانية فى التفكير» و«الإيمان بأهمية العلم». تلك هي ببساطة روشتة د. محمود قاسم التى بالعمل عليها ومن خلالها تنهض الأمة بشبابها وشيوخها وتنبعث من أعماقهم وعلى عيونهم نهضتهم المنشودة دون استسلام لخزى وجمود الحاضر ودون انتظار لمعجزة لن تأتي أبدا أو لأجيال أخرى قادمة قد تفشل فيما فشلنا وعجزنا نحن عن صنعه!