من الأساطير اليونانية أن حكيما أخذ يخطب في أهل أثينا، وقت أن كانت الأزمات تحاصرهم من كل جانب، منبها اياهم الي ما ينتظرهم من مصير اسود، ولما رأي هذا الحكيم أن جمهور الحاضرين منصرفون عن كلامه بتوافه الحديث فزعق فيهم قائلا: اسمعوني.. سأحكي لكم حكاية جديدة لم تسمعوها من قبل «في بلدة مجاورة لنا رجل يؤجر حماره للراغبين في الانتقال لمسافات بعيدة عن قريتهم وكان من عادة صاحب الحمار أن يقطع المسافة ماشيا بمحاذاة المؤجر ليحسب المسافة التي سيقطعها الحمار ويحاسب المستأجر بقدر طولها أو قصرها – وذات يوم استأجر الحمارَ رجلٌ وكان الجو حارا لا يحتمل والحمار يسير بالرجل في منطقة جبلية لا شجر فيها ولا ماء فنزل الرجل من فوق الحمار واستظل بظله هربا من لهيب الشمس الحارق – وهنا اعترض صاحب الحمار وحذر الرجل من أنه اذا استمر محتميا بظل الحمار، فالأجر سيتضاعف؛ لأن الاتفاق كان على ركوب الحمار وليس الجلوس في ظله – ثم صمت الخطيب واذا بجمهور الحاضرين في صوت واحد يدل على مدى انصاتهم واهتمامهم بالحكاية يناشدون الحكيم «وإلي ماذا انتهت مشكلة ظل الحمار – وهنا خلع الحكيم حذاءه ورماه بوجوههم غاضبا وساخرا» أتنسون ما أنتم فيه من ضيق الأحوال وعتمة المآل وتنشغلون بظل الحمار..
لقد ذكرني ما يشغل عموم المصريين اليوم ويثير حفيظتهم بقضية ظل الحمار، خاصة أن ما يشغل كثيرين اليوم أكثر سطحية وخفة من مسألة ظل الحمار.. لقد غاب الوعي العام أو تم تغييبه بفعل فاعل خلال نصف قرن مضى عن حقائق عالم كم اغتنت فيه شعوب كانت بائسة، وتقدمت به أمم كم كانت بعيدة عن ركب العصر وعلومه، وكم تطورت قريبا وبعيدا عنا من تجارب سياسية واقتصادية في بلدان كان الأمل في بقائها حية كالأمل في أن نمسي ونصبح لنجد ترامب رئيسا محترما.. الابتكارات العلمية مثل الفيمتو ثانية والتي أبدعها للبشرية عالم مصري مثل الدكتور أحمد زويل واستفادت منها علوم الطب والزراعة والصناعة وتجلت عظمتها في تصنيع أجهزة رصد وتصوير تستطيع أن تصل دقتها الي تجزئة اللقطة الي ملايين الوحدات.. لقد واكبنا هذا العصر متفرجين لا مشاركين، ومفسدين لعبقرية التطور بجهالة استخدام منتجاته. عندما هبطت فوق رؤوسنا ثورة اتصالات غير مسبوقة لم نكن على الاطلاق مؤهلين لها – أسأنا التعامل مع كل شيء وحولنا مواقع التواصل الي زرائب و«معجنة» فضائح بالصوت والصورة، وساحات للتخاريف والتعاويذ واستعطاف الله أن يأخذ بيد هذا المريض أو يعين ذاك المكروب أو يبارك في يوم الجمعة !.. أتصور أن الله بعزه وجلاله وعلو مكانته قد ضجت من حولة الملائكة سخطا على ما نحن فيه من كذب وتدليس وتخريف وغياب للوعي وموت للإيمان والأخلاق باسم الايمان والأخلاق..
تاريخ الانسانية بدأ بجريمة قتل أخ لأخيه في لحظة لم تكن هناك تجربة حياة واحدة حول القاتل والمقتول، ولكن ما هو جزاء أمة تفخر بأن عمرها سبعة آلاف سنة ويتصرف جمهورها كمراهقين لا يقلقهم طول عقود وعهود البؤس في حين يدفعهم للحرب ذيل فستان، او خصلة شعر تمردت على غطاء رأس فتاة لتستقر مذعورة من الخوف فوق جبينها.. مجتمع يستمرئ اللامبالاة ويدمن الصبر على البلاء ليس ايمانا وانما انهزاما أمام واقع يغتال انسانيته في كل لحظة.. مجتمع بطبعه مؤمن باللامعقول ومخاصم للعقل والبرهان ومنطق الأشياء.. مهنة المصريين التاريخية هي البناء، وشاهد عليها أكبر صروح الدنيا من الأهرامات والمعابد ومقابر الملوك، وهنا يعاندني سؤال وجودي: هل يمكن أن ينجح في امتحان التاريخ أناس انحنت رؤوسهم وعلت هامات حجارتهم؟!