رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نحو المستقبل

من المؤكد أن الغالبية الغالبة من القراء لم يسمعوا عن هذا الاسم من قبل، فهو لم يكن نجماً من نجوم السينما ولم يكن لاعباً مشهوراً، كما لم يكن من العلماء والمفكرين الذين يظهرون على شاشات الفضائيات ويتحدثون فى الندوات ويملأون الدنيا صخباً وضجيجاً!! بل كان مجرد أستاذ من أساتذة الفلسفة فى مصر وله عدد من المؤلفات الفلسفية فى مجال الفلسفة اليونانية وتلك هى المعلومة الوحيدة التى يمكن أن تحصل عليها أيها القارئ الشغوف إذا حاولت التعرف على هذه الشخصية المصرية المتواضعة القدر عظيمة القيمة عبر كل الوسائل البحثية المعروفة!!

والحقيقة أنه لو امتد بك الشغف وسألت عنه فى جامعته أو فى كليته أو فى قسم الفلسفة الذى ينتمى إليه وهو قسم الفلسفة فى كلية الآداب بجامعة طنطا أو سألت عنه أحد تلاميذه المخلصين الذين حصلوا على يديه على درجة الماجستير أو الدكتوراه وهم كثر فى مختلف الجامعات المصرية فستجد نفسك أمام سيل من المعلومات التى تكشف عن شخصية علمية متميزة وأمام إنسان قل أن يجود الزمان بمثله فى سماحته وسمو أخلاقه من ناحية وفى علمه الغزير وقدرته على التحدى وصنع المستحيل من ناحية أخرى.

لقد عرفته فى أواخر سبعينيات القرن الماضى شاباً كفيفاً جاء ليعطى أحد أساتذة القسم رسالته العلمية التى أعدها للمناقشة وكانت عن الجدل بين أرسطو وكانط، وتعجبت من ذلك متسائلاً ألم يكن يكفيك دراسة الجدل عند أحدهما فهما فيلسوفين كبيرين ومؤلفاتهما فى غاية الصعوبة ومن عصرين مختلفين والمقارنة بينهما تقتضى الإلمام بالمحيط الفكرى للعصر اليونانى ويقف أرسطو على قمته والعصر الحديث وكان ذروته كانط فكانت ابتسامته الصافية خير رد وكأنه يقول لقد تعود على اجتياز الصعب دائماً فقد كان يتقن اللغة اليونانية ودرسها على أحد الأساتذة الأجانب، بالإضافة إلى الإنجليزية وكان يجيد اللغة العربية إجادة المجمعيين (أى أعضاء مجمع اللغة العربية). ومرت الأيام وحصلت على الدكتوراه أنا أيضاً لكن فى نظرية العلم عند أرسطو. وأصبحنا معاً متخصصين فى الفلسفة اليونانية وباعدت بيننا الأيام حيث كنت كثير السفر إلى السودان أستاذاً زائراً، ثم أعرت إلى جامعة الإمارات العربية وكنت أسمع من أساتذتى وزملائى عن كيف أنه وهو الكفيف يدرس ببراعة المنطق الصورى رغم صعوبة ذلك على من فى نفس ظروفه وهو منطق أرسطى فى الأساس والأعجب أنه درس أيضا المنطق الرمزى الحديث الذى يعجز عن فهمه وتدريسه المختصون فيه من المبصرين فإذا هو يدرسه بكل بساطة ويسر ويصر على ذلك عدة سنوات. لقد كان مثالاً للتحدى وقوة الإرادة ولا يقارن فى ذلك إلا بعميد الأدب العربى د. طه حسين.

ولما عدت من الخارج وأصبحنا أستاذين فى نفس التخصص بدأنا رحلة الإشراف على الرسائل الجامعية وبدأنا نتشارك ونتبادل مناقشة الرسائل العلمية التى نشرف عليها فى مختلف الجامعات المصرية وقد كانت رسائله التى يشرف عليها تتعدد بتعدد الجامعات التى درس فيها وبالذات جامعات الدلتا والصعيد وقد كنت أدهش لكم الصداقات التى كونها عبر حياته فى كل مدن وجامعات مصر من عامل القسم والقطار إلى محصل القطار ورؤساء المحطات وأصحاب الكافيهات على طول خط السكك الحديدية بل وسائق الحنطور فى محطة المنيا التى زرناها وناقشنا فيه رسائل عديدة سواء من إشرافه أو من إشرافى، وقد كان دائماً ما يقول إن تلاميذى تلاميذه والعكس ولم يكن ذلك مجرد كلام لأنه كان دائماً ما يستقبل طلابى فى منزله ويفتح لهم عقله ومكتبته ويراجع معهم ما يكتبون مثلما يفعل تماماً مع تلاميذه، وكم كان دقيقاً فى ملاحظاته ومناقشاته التفصيلية للرسائل العلمية ويناقش الطلاب فى أدق التفاصيل ولعله بذلك كان يتحدى قدراتهم البصرية وعدم دقتهم فى مراجعة ما يكتبون سواء فى الأخطاء اللغوية أو حتى الأخطاء المطبعية وكذلك فى كتابة بيانات المصادر والمراجع. وقد كان موسوعة متحركة تعرف تلك المصادر والمراجع بطبعاتها المختلفة سواء فى لغتها الأصلية أو فى تراجمها العربية. لقد فقدت بوفاته متعاً فكرية وإنسانية لا تعوض؛ فلقد كان فى كل المواضع التى تزاملنا فيها سواء فى عضوية لجان الترقيات أو عضوية المجلس الأعلى للثقافة على عكس الكثيرين من الأصدقاء والزملاء عف اللسان لا يذكر أى زميل إلا بما فيه من خير ولم أسمع منه يوماً ذماً لزميل أو لوماً لآخر، لقد كان خلقه الرفيع وتربيته العالية وأصله الكريم فضلاً عن علمه الغزير يمنعه من ذلك ويقوده دوماً إلى كل فعل كريم وإلى كل قول كريم، لقد كان سنداً للجميع وخاصة للضعفاء والمظلومين من الزملاء والطلاب ولاشك أن كل ذلك سيبقيه حياً فى القلوب والعقول رغم أنه فارق دنيانا الفانية فى الثانى من شهر أكتوبر الحالى رحمه الله وغفر له جزاء ما قدمه لبلده وجامعته وطلابه.

 

[email protected]