حكاوى
ما زلت أواصل الحديث عن المعارك الفكرية التى تعد من كنوز المعرفة، للرد على المتطاولين والمتجاوزين الذين لا يقرأون تاريخ هذه الفترة من 1952 إلى 1967، وينكرون على الزعامات المصرية التى سبقت 1952 حقوقهم. من هؤلاء عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ، وقد تعمدت الرد عليه خلال الأيام الماضية بمنطق العلم والدراسة، رغم أنه ينتمى أو يدّعى أنه من المحبين للناصرية، ومن خلال الحوارات الفكرية الشديدة التى وصلت إلى مرحلة غليان لم نجد واحدًا من المتحاورين يتطاول على الآخر.
نعود إلى المعركة الشديدة بين العظيمين طه حسين وعباس العقاد، فقد شب الخلاف الأكبر بينهما بعدما كتب العقاد عن الخيال فى (رسالة الغفران) فقال: «أما أن ينظر إليها كأنها نفحة من نفحات الوحى الشعرى، على مثال ما نعرف من القصائد الكبرى التى يفتن فى تمثيلها الشعراء والقصص التى يخترعونها اختراعًا، وينظر إليها كأنها عمل من أعمال توليد الصور وإلباس المعانى المجردة لباس المدركات المحسوسة، فليس ذلك حقًا، وليس فى قولنا هذا غبن للمعرى أو بخس لرسالة الغفران، كلا ولا هو مما يغضب المعرى أن يقال هذا القول فى رسالته».
واستفزت هذه الكلمة الدكتور طه حسين، فكتب يقول: «ولكن الذى أخالف العقاد فيه مخالفة شديدة، هو زعمه فى فصل آخر أن أبا العلاء لم يكن صاحب خيال حقًا فى رسالة الغفران. هذا نكر من القول لا أدرى كيف تورط فيه كاتب كالعقاد.
نعم إن العقاد كاتب ماهر يحسن الاحتياط لنفسه، فهو بعد أن أنكر الخيال على أبى العلاء، عاد فأثبت له منه حظًا قليلاً. ولكنه يستطيع أن يخدع بهذا الاحتياط قارئًا غيرى، أما أنا فلن أنخدع له، فهو ينكر على أبى العلا، أن يكون شاعرًا عظيم الحظ من الخيال فى رسالة الغفران، (سنة سودة) كما يقول العامة. وهل يعلم العقاد أن دانتى إنما صار شاعرًا نابغة خالدًا على العصور والأجيال، واثقًا من إعجاب الناس جميعًا بشىء يشبه من كل وجه رسالة الغفران هذه. أستغفر الله إن من الأوروبيين الآن من يزعم أن شاعر فلورنسا قد تأثر بشاعر المعرة قليلاً أو كثيرًا».
ولم يقتصر خلافهما الأدبى عند النقد الأدبى، بل امتد ليشمل النقد حول اللغة العربية نفسها. فقد نشر طه حسين فصولاً فى جريدة «الجمهورية» عن أسلوب جديد فى كتابة اللغة العربية، وقد كتب العقاد نقدًا لهذا الأسلوب وقال: «قرأت اليوم كلامًا عن الإصلاح الذى قيل إنه سيحل المشكلات جميعًا فى كتابة اللغة العربية، لأنه يعلم الناس أن يكتبوا الحروف كما ينطقونها فى جميع اللغات. وكل ما قرأته حتى الآن يزيد مشكلات الكتابة ويوقع اللبس والاختلاط، حيث لم يكن من قبل لبس ولا اختلاط.
هل ننوى من اليوم أن نقول: «رمى يرمى رميًا، ورجا يرجى رجيًا، وصفً يصفى صفيًا.. إلى آخر هذه الألفات أو هذه الياءات. إن كنا ننوى ذلك فقد انحلت المشكلات وتساوت الألف والياء، نكتبها ألفًا أو نكتبها ياء كما نشاء. ولكننا لا ننوى ذلك، ولا نستطيع إذا نويناه؛ لأنه يجر إلى الخلط الذريع بين أبواب الفعل وأبواب المشتقات، وكلها مرتبط بأساس تكوين اللغة العربية؛ لأنها لغة اشتقاق تقوم على أبواب الفعل الثلاثى التى لا وجود لها فى جميع اللغات الهندية الجرمانية، وهى اللغات التى تكتب بالحروف اللاتينية، ويدعونا إلى التشبه بها من ينسون الفارق الأصلى بين لغة الاشتقاق ولغة النحت والتركيب.
من المقالات السابقة نستطيع أن نرى أنه قد اتصل حبل المساجلة والنقد الأدبى بين العقاد وطه حسين أمدًا طويلاً، ولكنه فى كل الأحوال كان هينًا لينًا لم يصل إلى ما عرف من عنف طه حسين أو عنف العقاد فى خصومته مع من خاصم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض