رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

هذا الكتاب يمثل إنجازًا يجب أن يحسب لمكتبة الإسكندرية، فضلا عما يمثله من خدمة رائعة من المكتبة للمدينة التي تقدم خدماتها لقرائها من على أرضها. الكتاب الذي مر صدوره في صمت رغم تنظيم المكتبة معرضًا بأهم محتوياته، هو «وصف الإسكندرية». وقد كان يمكن له أن يظل في طوايا النسيان لولا جهود النبش التي يقوم عليها القائمون على المكتبة وعلى رأسهم الدكتور خالد عزب مدير إدارة المشروعات الذي حظي بالتندر من قبل الفقي على مساعيه للكشف عن كل خبايا المدينة، والبحث عن كل ما هو قيم وجدير بالتقديم للقارئ والقيام على أعباء إصداره.

الكتاب الذي أصدرته المكتبة في نحو 182 صفحة من القطع المتوسط في حلة أنيقة ورشيقة عبارة عن مخطوط رسمه بحارة غير معروف الأصل يدعى برتناشامب كان ينتمي إلى الأقاليم الجنوبية من مملكة بلجيكا الناطقة بالفرنسية حيث كان في مهمة أوكلت إليه من ملك فرنسا في سنة 1740 لدراسة الشرق وتحديد المسار إلى مصر تمهيدا لتنفيذ مشروع الغزو والتوسع الاستعماري الذي قام به فيما بعد نابليون عام 1798.

وحسبما يشير الدكتور مصطفى الفقي في معرض تقديمه للكتاب فإن الفنان المذكور قدم مجموعة كبيرة من اللوحات عن المدن التي زارها في هذه الرحلة ومنها مالطا والإسكندرية ورشيد والقاهرة ومدن الجنوب الإيطالي في جزيرة صقلية وغيرها تم الاختيار من بينها ما يخص مدينة الإسكندرية حاضرة العالم القديم.

وكان المخطوط أهدي من ملك بلجيكا ألبرت الأول إلى الملك فؤاد الأول عند زيارته لمدينة الإسكندرية سنة 1930 في زيارة رسمية لمصر زار خلالها كافة معالم المدينة الأثرية المكتشفة في ذلك الوقت، وقد حفظ هذا المخطوط في مكتبة الملك فؤاد ومنها إلى مكتبة الملك فاروق ومنها بعد ثورة يوليو إلى مكتبة وزارة الإرشاد القومي التي تحولت إلى وزارة الإعلام فيما بعد.

وقد ظل المخطوط محفوظًا بعناية إلى أن أهدي لمكتبة الإسكندرية عام 2008 لإثراء مقتنيات المكتبة العلمية وإنعاش ذاكرة المصريين التاريخية. وقد جسدت اللوحات التي رسمها برتناشامب ضمن الكتاب بصورة دقيقة الواقع المرير الذي ألم بالمدينة وقت زيارته لها حيث نقل من خلالها بحرفية عالية كل ما شاهده وأحس به من مؤثرات قام بربطها في صورة متكاملة خرجت إلينا في أبهى صورة. ومن بين اللوحات مثلا التي يتضمنها الكتاب بقايا أو أنقاض قصر كليوباترا، المسجد الكبير (جامع العطارين)، حصن الفنار الكبير (قلعة قايتباي).

ودلالة المواد التي جاءت في الكتاب حسبما يشير الباحث حسام عبد الباسط أن فيه ما ليس في غيره مما صدر من مصنفات عن عمران مدينة الإسكندرية في عصرها الإسلامي وتحديدا في أواخر العصر العثماني، حيث يزودنا بصورة واضحة لحالة المنشآت الأثرية في مختلف العصور الإسلامية وأوضاعها في تلك الحقبة قبل اندثارها بشكل أو بآخر قبل قدوم الحملة الفرنسية على مصر بثمانية وخمسين عاما. ويضم الكتاب ستًا وستين لوحة مرسومة بالحبر الشيني ومكتوب عليه اسم صاحبه.

وإذا كان من نتائج يكشف عنها هذا الكتاب، فهي أنه فضلا عن تأكيده على الاعتماد، من قبل الغرب، على استخدام أساليب البحث العلمية والتحليل للظواهر المعمارية والتاريخية فإنه يشير كذلك إلى أن رحلات الرحالة الغربيين كانت تتم لأغراض مختلفة منها غرض التجسس حيث كانت رحلة برتناشامب تخدم أهداف فرنسا بشكل كبير إلى جانب هدفها العلمي البحت، حيث يمكن التأكيد على وجود صلة ما بين اللوحات التي رسمها الفنان صاحب اللوحات وتحقيق الأهداف والمصالح الفرنسية.

وفي النهاية فإن الاهتمام بهذه الأعمال إنما يحقق العديد من الأهداف على رأسها تحديد ملامح الأوضاع في مصر، وفي الإسكندرية موضع اللوحات، خلال فترة رسمها، فضلا عن الاستفادة من إسهامات هذه الأعمال في إثراء معرفتنا بفترة حيوية من تاريخنا .. الأمر الذي لم يكن ليتاح لنا كجمهور عام متابعته لولا الجهد المتميز للقائمين على مكتبة الإسكندرية.

[email protected]